ابن حزم

125

رسائل ابن حزم الأندلسي

- 3 - جُمل فتوح الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدَّ أكثر العرب - وثبت أهل البَحْرَتين ( 1 ) من أهل مكة والطائف ، وكثير ممن سكن اليمن - فبعضٌ كفر وارتد ، وبعض قال أُصلّي ولا أؤدي الزكاة . فأذعن جمهور الصحابة إلى مسالمتهم ، وأبى ذلك أبو بكر : فأنفذ بعث أُسامة بن زيد ، فبلغ قرب الشام ، وأغار على قُضَاعَة وانصرف . وبعث أبو بكر رضي الله عنه البعوث ، حتى قهر المرتدِّين ، وراجع الناسُ الإسلامَ . وكان قد تنبأ باليمن الأسود العَنْسيّ ، فقتله فيروز الفارسي . وتنبأ طليحة الأسدي في أسد وغطفان ، فحاربه خالد ، فهرب طليحة ثم أسلم . وتنبأت سَجَاح اليربوعية ، وتزوجها مُسَلمة الكذَّاب ، ثم أسلمت بعد قتل مسيلمة . وأصحابُ الفتوح من الخلفاء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم عليّ بن أبي طالب في قتل الخوارج ، وكفى به فتحاً ، ولقد لقي الناسُ مِمَّن نحا ما نحوه من المخاوف والقتل والنهب ما لا يُجْهَل ، وكيف هو فتحٌ قد أنذره به ، رضي الله عنه ، رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأعلم له أن منهم ذا الثُّدَيَّة ( 2 ) ، وقد وجده عليٌّ ؛ ثم معاوية ، ثم الوليد بن عبد الملك ، ثم سليمان بن عبد الملك ، ثم أبو جعفر المنصور ، ثم عبد الله المأمون ، وكانت للمعتصم

--> ( 1 ) في الأصل : البحرين ، والبحرة البلدة ، والعرب تسمي المدن والقرى : البحار ، وقد فسر البحرتين هنا بأنهما مكة والطائف . وهذا يصدقه قول الطبري 3 : 221 " لما فصل أسامة كفرت الأرض وتصرمت وارتدت من كل قبيلة عامة أو خاصة إلا قريشاً وثقيفاً " . ( 2 ) هو حرقوص بن زهير أحد الخوارج يوم النهروان . وقال الفراء هو ذو اليدية ، ولكن الأحاديث تتابعت بالثاء . وقيل أن علياً بعد أن قضى على الخوارج تفقد قتلاهم ، فاستخرج من بينهم ذا الثدية ، فرآه ناقص اليد ، ليس فيها عظم ، طرفها حلمة مثل الثدي ، عليها خمس شعرات أو سبع ، رؤوسها معقفة ، ثم نظر إلى عضده فإذا لحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة ( مروج الذهب 4 : 416 طبع باريس ؛ وانظر الإصابة : 2442 ) .