ابن حزم

11

رسائل ابن حزم الأندلسي

والحضاري " أن يجمع أسماء الكتب التي اطلع عليها ابن حزم وأفادته في هذا المجال ( 1 ) . ولكن كل ما يمكن أن يعد في هذا المقام يبدو قاصراً عن تصوير الحقيقة . إذ الواقع أن ابن حزم اطلع على أكثر ما دخل الأندلس من كتب تاريخية كتبها المشارقة . وعلى ما كتبه الأندلسيون أنفسهم ، وذلك كله يصور مدى ما حصله في التاريخ الإسلامي بخاصة ، فأما تواريخ الأمم الأخرى فيبدو أنه وقف فيها عند مصادر معينة ، مثل التوراة والإنجيل وتاريخ يوسيفوس ، والأرجح أنه قرأ تاريخ هوروشيوس الذي نقل عن اللاتينية في أيام عبد الرحمن الناصر كما كان واقفاً على التاريخ المعاصر راصداً له أو مشاركاً في صنعه ؛ وإلى جانب الاطلاع على المؤلفات اعتمد أيضاً على الروايات الشفوية ، ولقاء الشيوخ ومحاورة الأقران ، وكان لوالده أقوى الأثر في توجيهه نحو التاريخ ، بحكم شخصه ومكانته : فهو مصدر هام لكثير مما نقله من روايات لم تكن تقف عند ظاهر الخبر ، بل تفعل في نفسه فعلها ، وإلى مثل ذلك يشير بقوله : " حدثني وهزني الوزير والدي نضر الله وجهه " ( 2 ) ، ولعل والده هو الذي نبه ذهنه إلى التقاط الغرائب والنوادر ، لكثرة ما كان بقص عليه منها ، ولمكانته في الدولة كان عارفاً بما يجري حوله من دقائق الأمور ، كما أن تلك المكانة جعلت مجلسه حافلاً بشخصيات العصر ، وفي ذلك المجلس استمع الابن إلى إلى الأحاديث الدائرة والروايات المختلفة ، مثلما استمع إلى الشعراء وهم ينشدون المدائح في أبيه ؛ وحين قضت الفتنة البربرية على ابن حزم بمفارقة قرطبة والتجوال في المدن الأندلسية ، وسعت لديه مجال المشاهدة ، مثلما كثرت من مصداره الشفوية ، وأغنت خبرته بتجارب جديدة ، ولو قيض لابن حزم أن يرحل إلى المشرق لتمرس بمزيد من الخبرة والاطلاع ، ولأضاف إلى ثقافته عن طريق المؤلفات ثقافة عن طريق دراسة المجتمعات والعادات ؛ ولا ريب في أنه حاول أن يستعيض عن خهذه الناحية بالإكثار من القراءة في مختلف العلوم فتكونت لديه حصيلة ثقافية متنوعة كان في مقدورها أن تمد مغرفته التاريخية بروافد متعددة ( 3 ) .

--> ( 1 ) انظر ص : 148 - 161 من الكتاب المذكور . ( 2 ) نقط العروس ، الفقرة : 76 . ( 3 ) يقول ابن حزم في معرض الاطلاع والتجربة : " وقد شاهدنا الناس وبلغتنا أخبار أهل البلاد البعيدة وكثر بحثنا عما غاب عنا منها ووصلت إلينا التواريخ الكثيرة المجموعة في أخبار من سلف من غرب وعجم في كثير من الأمم . . . . " ( الفصل 1 : 175 ) .