ابن حزم
96
رسائل ابن حزم الأندلسي
عليه يلزمهما ستره ، ومحبة بلوغ ( 1 ) اللذة وقضاء الوطر ، ومحبة العشق التي لا علة لها إلا ما ذكرنا من اتصال النفوس . فكل هذه الأجناس منقضية ( 2 ) مع انقضاء عللها ، وزائدة بزيادتها ، وناقصة بنقصانها ، متأكدة بدنوها فاترة ببعدها ، حاشا محبة العشق الصحيح المتمكن من النفس فهي التي لا فناء لها إلا بالموت . وإنك لتجد الإنسان السالي بزعمه ، وذا السن المتناهية ، إذا ذكرته تذكر وارتاح وصبا واعتاده الطرب واهتاج له الحنين . ولا يعرض في شيء من هذه الأجناس المذكورة ، من شغل البال والخبل والوسواس وتبدل الغرائزالمركبة ، واستحالة السجايا المطبوعة ، والنحول والزفير وسائر دلائل الشجا ، ما يعرض في العشق ، فصح بذلك أنه استحسان روحاني وامتزاج نفساني . فإن قال قائل : لو كان هذا كذلك لكانت المحبة بينهما مستوية ، إذ الجزءان مشتركان في الاتصال وحظهما واحد ، فالجواب عن ذلك أن نقول : هذه لعمري معارضة صحيحة ، ولكن نفس ( 3 ) الذي لا يحب من يحبه مكتنفة الجهات ببعض الأعراض الساترة والحجب المحيطة بها من الطبائع الأرضية فلم تحس بالجزء الذي كان متصلاً بها قبل حلولها حيث هي ، ولو تخلصت لاستويا في الاتصال والمحبة . ونفس المحب متخلصة عالمة بمكان ما كان يشركها في المجاورة ، طالبة له ، قاصدة إليه ، باحثة عنه ، مشتهية لملاقاته ، جاذبة له لو أمكنها كالمغنيطس والحديد . فقوة جوهر المغنيطس المتصلة بقوة جوهر الحديد لم تبلغ من
--> ( 1 ) روضة المحبين : ومحبة لبلوغ . ( 2 ) روضة المحبين : وكل فمنقضية . ( 3 ) ولكن نفس والحديد . . وردت في رغبة المحبين : 76 وزاد إليها قول ابن حزم بعد ذلك " وكالنار في الحجر " مع حذف ما بينهما .