ابن حزم
75
رسائل ابن حزم الأندلسي
مطارق الدمار ؛ وكانت " الحدة الرومنطيقية " تتعلق بالحب فأصبحت وجوداً في الماضي ، وإنكاراً للحاضر ( إلا من علاقات عملية عابرة ) وأصبحت ألفة كل شيء تقدم هي التي تسيطر على الفكر والمشاعر : " وان حنيني إلى كل عهد تقدم لي ليغصني بالطعام ويشرقني بالماء وما انتفعت بعيش ولا فارقني الإطراق والانغلاق مذ ذقت طعم فراق الأحبة ، وانه لشجى يعتادني وولوع هم ما ينفك يطرقني ، ولقد نغص تذكري ما مضى كل شيء استأنفه ، وإني لقتيل الهموم في عداد الأحياء ، ودفين الأسى بين أهل الدنيا " ( 1 ) . ولقد أورثته هذه النكبات إحساناً مرهفاً بمعنى الفقد والفراق حتى أصبح يرى الموت أسهل من الفراق ، وجعلته يستعيذ بالله من التنكر لما درس ، أي لما أصبح جزاءاً من الماضي ؛ وكم جلب تغير الحال من تنكر الاخوان والأصدقاء ، مما زاد حساسيته تجاه الحفاظ على العهود الماضية ، فأخذ في علاقاته يتكئ على التأني والتربص والمسالمة وخفض الجناح - رغم توقد حدته - كلما أحس أنه قد يفقده التعجل والغضب صديقاً من أصدقائه ؛ ولهذا استشعر انه بالمقايسة إلى المتقلبين في صداقاتهم يتحلى بالوفاء ، لا لمن يمثلون العهود الماضية وحسب ، بل انبسط وفاؤه حتى شمل كل من مت إليه بلقية واحدة أو حادثه ساعة ، وتورع عن إلحاق الأذى بمن كان بينه وبينه أقل ذمام ولو عظمت ذنوبه وإساءاته إليه . وقد كان هذا النوع من الوفاء مرمضاً لأنه يكلفه الحمل على نفسه ، ومما يزيد في الألم الناشئ عنه اقترانه بعزة النفس ، فالوفاء يتطلب تحمل الضيم من الصديق ، وعزة النفس لا تقر على الضيم ، ومن صراعهما يتولد قهر الذات وحملها على التصبر وتحمل الألم الممض ، وكل هذا يحمل على اكتنان مقت شديد للغدر والكذب والتلون ، وذلك أيضاً مبعث ألم آخر ، وقد يسامح ابن حزم في كل عيب يجده في من حوله من معارفه وأصدقائه إلا في الكذب ، فحينئذ يكون هو
--> ( 1 ) باب من لا يحب إلا مع المطاولة ( رقم : 6 : 125 ) .