ابن حزم

73

رسائل ابن حزم الأندلسي

بمعزل " وحورت في حركاتها وكلامها لتقع موقعاً من نفسه ، وكذلك الرجل أيضاً ، فأما إذا تراءيا فهما سواء في حب إظهار الزينة وترتيب المشي وإيقاع المزاح ، إلا أن المرأة أقدر من الرجل على التحيل لاستجلاب الهوى وإيصال محبتها إلى قلبه ( 1 ) . كما أنها أنفذ بصراً في استشعار أدنى ميل نحوها ( 2 ) . وإذا كان الرجل يقدم على الاغتصاب دون تفكير في العواقب ، أو يقبل التديث حين تضمحل الغيرة ، فإن المرأة عنيفة تقدم على القتل إذا أحست أن محبوبها مشترك الهوى ، وليس في الطوق أية إشارة إلى رجل قتل امرأة لأنها خانته ، وغاية ما حدث لأحدهم عندما خانته محبوبته انه وجد لذلك وجداً شديداً ( 3 ) . فأما الموت وفاء للمحبوب ، فيبدو أن الرجل والمرأة فيه سواء ، وكذلك الخروج فيه إلى حد الاختلاط والجنون . 9 - صورة ابن حزم في الطوق ( ورسالة مداواة النفوس ) ولقد كان لصلة ابن حزم بالنساء منذ الطفولة حتى الصبا ، عن طريق المعاشرة والثقافة ، أثر كبير في ذوقه وشخصيته ، ويبدو أنه لم ينعم بمعرفة الأم وتربيتها وحنانها ، فاستعاض عن ذلك بالدلال الذي لقيه من الجواري ، وأصبح يلاحقهن وينصت لأحاديثهن ويشره إلى معرفة أخبارهن وأسرارهن وحيلهن ، وكن - فيما أقدر - لا يتحرجن لصغره من البوح بأشياء كثيرة جعلته يسيء الظن بتصرفات النساء ، كما أكسبته تلك العشرة محبة الانفراد بالعطف ، فنشأ شديد الغيرة ، واكتسب من البيئة التي ساعد عليها ذوق والده ( في محبة الشقراوات ) ميلاً إلى الشقرة ، ورسخ تلك الحقيقة أن حبه الأول اتجه إلى فتاة شقراء ؛ وقد أرهفت تلك البيئة البيتية إحساسه بجمال الأنثى ، وعلمته التجارب الأولى في تنقل

--> ( 1 ) الباب السابق : 271 - 272 . ( 2 ) باب السلو ( رقم : 27 : 250 ) . ( 3 ) باب الوفاء ( رقم : 22 : 207 ) .