ابن حزم
69
رسائل ابن حزم الأندلسي
" قضية الحب " تقع تحت منظور جديد ، وكذلك تكون المعاناة والعذاب والوجد بسببه أموراً تتطلب تفسيراً مقنعاً . وأول ظاهرة في هذا الحب أن أكثر الذين يعانون منه هم " الأبناء " في العائلات التي تملك الجواري ، إذ يبدو بالإضافة إلى الجواري اللواتي كن في ملك الفتى ابن حزم - وهو لم ينفصل عن أهله بعد - أن القصر كان مليئاً بجوار أخر تتطلع أنظاره إليهن ، وذلك يمكن أن يقال في فتيان آخرين من أبناء تلك الأسر ، وكان ذهاب الجارية بالبيع ، أو استئثار أخ دون أخيه الآخر بها ، أو فراق أحدثته الحروب والأزمات ، أو شؤون السفر ، هي الأسباب التي رفعت درجة المعاناة إلى حد الخبل أحياناً ، كما كان تعالي الفتى أو غفلته عما تحس به الجارية نحوه مسبباً في خروجها عن حد الحياء المنتظر في تصرفاتها . ولكن أشد الحالات التي تعز على التفسير هي معاناة الفتى بسبب تمنع جارية هي في ملك يده ، وقد عبر ابن حزم عن هذه الظارهة حين قال : " فقد ترى الإنسان يكلف بأمته التي يملك رقها ولا يحول حائل بينه وبين التعدي عليها . فكيف الانتصاف منها " . أي انه يكلف بها ، ولا يستطيع أن يحولها عن تمنعها ويتعذب بذلك ( كما حدث لسعيد بن منذر ابن سعيد ) وترفض الجارية ان تتزوجه ، وهذا موقف يدل على إرهاف في العلاقة بين الأسياد والجواري ، مثلما يدل على أن شخصية الجارية لم تكن دائماً محط إذلال ، وخاصة حين يكون الأمر متصلاً بالعواطف ، نعم قد يبيعها سيدها ، وتصبح ملكاً لغيره ، ولكنها هي لا تمنح محبتها بل ولا جسدها بحكم الملكية . ويجب هنا أن نتذكر أن الجواري كن أيضاً متفاوتات في المنزلة الاجتماعية ، فمنهن اللواتي يتخذن للخدمة ومنهن اللواتي يتخذن للذة والنسل ، والفريق الثاني بطبيعة الحال أرفع منزلة من الأول ، ولكن إن شاءت الجارية ان تتحول من الحالة الأولى إلى الثانية فهذا ربما كان يعتمد على جمالها وعلى ما قد تحاول إتقانه من فنون ، فأما تحولها من الثانية إلى الأولى فأمر مستهجن في عرف المجتمع حينئذ ، وقد ينالها