ابن حزم
65
رسائل ابن حزم الأندلسي
الخلقة ( 1 ) ، ولما كان كذلك لم يكن واقعاً تحت الأوامر الدينية ، إنما الأمور الدينية تنص على المحرمات ، وهذه ليست من بنية الخلقة وإنما يأتيها الإنسان باختياره " وبحسب المرء المسلم ان يعف عن محارم الله " ( 2 ) . والسؤال الذي لا نظن ابن حزم يستطيع أن يجيب عنه هو : كيف يعف مع تلك البنية المدخولة الضعيفة ، أو كان طبعه من السهل أن يستدرج في كلمة أو كلمتين ، أو لم تحدث له بصيرة عاجلة تقاوم ثورة الشهوة لديه في حينها ، أي لم يكن نبياً مثل يوسف الصديق ! إن ابن حزم يحل هذه المشكلة ويأتي بالجواب على المستوى الذاتي حين يقول : يعلم الله - وكفى به عليماً - أني برئ الساحة سليم الأديم صحيح البشرة نقي الحجزة ، وإني أقسم بالله أجل الأقسام أني ما حللت مئزري على فرج حرام قط ، ولا يحاسبني ربي بكبيرة الزنا مذ عقلت إلى يومي هذا " ( 3 ) ، ولكنه حين يقص كيف تورط الآخرون ، يستعيذ بالله مما فعلوه ، أو يورد الحكاية دون تعليق . فليس بمستغرب إذ أن تجد فقيهاً مثل ابن قيم الجوزية يتعقب هذا التناقض لدى ابن حزم إذ يقول : وذهب أبو محمد ابن حزم إلى جواز العشق للأجنبية من غير ريبة ، وأخطأ في ذلك ظاهراً ، فإن ذريعة العشق أعظم من ذريعة النظر وإذا كان الشرع قد حرم النظر لما يؤدي إليه من المفاسد فكيف يجوز تعاطي عشق الرجل لمن لا يحل له " ( 4 ) ثم وصف ابن حزم بأنه " انماع في باب العشق والنظر وسماع الملاهي المحرمة " ( 5 ) وبين موقفي الرجلين بون واضح ، سببه اختلاف المنطلق وزاوية النظر ، ولا ريب في أن أقربهما إلى حقيقة الاجتماع
--> ( 1 ) الباب : 12 ( طي السر ص : 145 ) . ( 2 ) الباب السابق نفسه ص : 144 . ( 3 ) الباب : 29 ( قبح المعصية : 272 ) . ( 4 ) روضة المحبين ، 88 ، 89 وانظر أيضا : 118 . ( 5 ) روضة المحبين : 130 .