ابن حزم

53

رسائل ابن حزم الأندلسي

تتجسد المشاعر والأحاسيس والشهوات والنزوات في الحياة العملية ، وتكون جانباً من نشاط المجتمع . وهذه النزعة القائمة على التجريب تعني ان الرسالة ليست ذات غايات أخلاقية أبداً ، وكل ما يحميها من التهاوي في بعض فجاجات الواقعية - وإن لم تسلم من ذلك سلامة مطلقة - إنما هي أخلاقية كاتبها ، تلك الأخلاقية التي ستسفر عن وجهها عمداً في الخاتمة . ولما كان الأعراب - من حيث أشعارهم الوجدانية وأخبارهم في العشق ، يحتلون مقاماً هاماً في كتب الأدب المشرقية ، ومنها كتاب " الزهرة " نفسه ، رأى ابن حزم أن ينأى بكتابه عن هذه الناحية ، وهذا لم يكفل لكتابه الواقعية التي التزم بها وحسب ، وإنما أثر في منهجه تأثيراً واضحاً حين أعفاه من تكرار المواقف البدوية في الحب ، فلم يعد بحاجة إلى أن يفرد فصولاً في البكاء على الطلول - وإن ألمح إليه إلماحاً - والأنس بالبروق اللوامع ، وتلهب النيران والعافية والزجر وحنين الإبل ، إلى غير ذلك من مظاهر تحدث عنها ابن داود في الزهرة . وبذلك تم لرسالة " طوق الحمامة " وجه حضري قرطبي أندلسي . ويبدو أن تعلق ابن حزم " بحضارية " ذلك الوجه كان محتوماً ، بسبب فقدانه " المدينة " التي أحبها كثيراً ، أعني قرطبة ؛ وهذا كلام يوهم بالتناقض ، وتفسيره أن ابن حزم - ابن المدينة - فقد تلك المدينة وهو أشد تعلقاً بها ، ولم يغص في سلبياتها فيثور عليها ويحن إلى حياة " رعوية " نقية ، ولهذا تراه يستمد أمثلة التعفف من مجتمعها : " حدثتني امرأة أثق بها " و " حدثني ثقة من إخواني " ( 1 ) بينما هو يشكل في عفاف نساء الأعراب اللواتي طار لهن ذكر بالعفاف في الشعر القديم . فيقول : " وقرأت في بعض أخبار الأعراب أن نساءهم لا يقنعن ولا يصدقن عشق عاشق لهن حتى يشتهر ويكشف حبه ويجاهر ويعلن وينوه بذكرهن ، ولا أدري ما معنى هذا ، على أنه يذكر

--> ( 1 ) انظر الباب الأخير رقم : 30 ص 297 .