ابن حزم

45

رسائل ابن حزم الأندلسي

لا يكاد يدين للزهرة بشيء ، أو إن شئت يدين لها بشيء محدود للغاية . لقد تغربت النظرية " وتأسبنت " وفقدت تكلفها الواضح ، وتحذلقها الخنث ، وما كان يقال في بغداد نثراً رقيقاً أو شعراً ملتقطاً أخذ ابن حزم يقوله في شاطبة دافئاً وإنسانياً عن نفسه وعن أصدقائه في قرطبة ، وأتت العاطفة واللهفة ، وهما خاصيتان اسبانيتان ، على أسوار التقليد التي تحول دون تدفق النبع " ( 1 ) . أما أن ما جاء به ابن حزم كان " دافئاً انسانياً " فذلك لا غبار عليه بل هو عين الحقيقة ، وأما أن الطوق ، " لا يكاد يدين للزهرة بشيء " فذلك هو الدعوى التي لا تثبت للمناقشة ، كما سأبين بعد قليل . وقبل أن أتقدم لإثبات وجهة نظري ، علي أن أقرر أن التأثير لا يعني المحاكاة ، فابن حزم لا يحاكي في الطوق كتاب الزهرة ، فقد قام بتلك المحاكاة ابن فرج في كتاب الحدائق ، حتى كاد يتفوق - أو هو تفوق حقاً - على سلفه المشرقي ، وكان ابن حزم يدرك هذه المحاكاة ، وينفر منها ، في آن معاً ، لأنه امرؤ لا يؤمن بالتقليد حسبما يمليه عليه اتجاهه الظاهري ولكنه فيما يبدعه لا يستطيع ان ينجو من التأثر ، وبين التأثر والتقليد بون شاسع . 5 - أثر الزهرة في ابن حزم : ولكن - على كل ما هنالك - كان ابن حزم يرى في ابن داود إماماً ظاهرياً يستحق التقدير ، إماماً يكتب في الحب ، دون أن يعبأ بنقد المتزمتين ، ويستطيع في الوقت نفسه ان يتحول بالحب ، رغم العذرية والأفلاطونية والصوفية ، إلى مستوى إنساني واقعي ، وهذا يعجب ابن حزم كثيراً ، ويوافق مشاعره ذات المنزع الظاهري ، ومن ثم فإنه لا يستطيع أن يتخلص من تأثير ابن داود ، حتى لو حاول ذلك ، وهذا التأثير قد يكون إيجابياً وقد يكون سلبياً .

--> ( 1 ) طوق الحمامة ترجمة غومس : 66 - 67 والطاهر مكي : 279 - 280 ، ونقله البرنس انظر ايضاً مكي : 160 .