ابن حزم
42
رسائل ابن حزم الأندلسي
تسلية صديقه وتعزية ذاته ، فتصبح " رصداً " لحركات النفوس وطبيعة العلاقات العاطفية والاجتماعية ، أي أن ابن حزم - من خلال تلك النماذج والتجارب - أحس أنه قادر على أن يقوم بدور السيكولوجي الاجتماعي ، وذلك كله يتطلب إلى جانب التعمق في الدراسة جرأة على " الاعتراف " وتلك ميزة لم تكن تنقصه أبداً . فمن حال صديقه وحال نفسه وحال قرطبة ( التي تمثل صورة مكبرة لكليهما ) وجد الحوافز قوية لكتابة هذه الرسالة ، ولعل ابن حزم أحس وهو يكتب رسالته ، انه يريد أن يقدم تجربة أو صورة " أندلسية " خالصة ، ولعل هذا هو الذي دعاه أن يقول وهو يحدد برنامجه في التأليف : " ودعني من أخبار الأعراب والمتقدمين فسبيلهم غير سبيلنا " فمما لا ريب فيه أن ابن حزم كان خير ثمرة لتلك الحركة الثقافية التي حاول بها الحكم المستنصر بلورة الشخصية الأندلسية في جميع المجالات الثقافية والحضارية ، ولذلك كان للأندلس في نفسه - رغم ضياع الدولة الأموية وما حل بالبلاد من تعاسة على يد ملوك الطوائف - وجودها المحدد ، وطبيعتها المشخصة ، وقد أمدته ثقافته بكثير من تجارب الحب في المشرق ، ولكن أين التجربة الأندلسية في ذلك أكاد أقرر أن ابن حزم ما كاد يرسم المنهاج الذي يعمل على أساسه في هذه الرسالة حتى سطعت في نفسه هذه الحقيقة ، كما سطعت بعد سنوات عندما كتب رسالته في فضل الأندلس ؛ ولذلك فغن هذا البيت : ويا جوهر الصين سحقاً فقد . . . غنيت بياقوتة الأندلس الذي اتخذه بعضهم شعاراً يدل على " أندلسية " ابن حزم ( 1 ) ، ليس إلا نقطة صغيرة في بحر ممتلئ بتلك الحقيقة ، حتى إن المؤلف ليتابع تجارب أندلسيين اغتربوا ، ونادراً ما يتوقف عند تجارب غير الأندلسيين ، ولو تأملنا قوله فسبيلهم غير سبيلنا " لوجدنا أن صيغة الجمع هذه هي " سبيلنا "
--> ( 1 ) انظر مقدمة غرسيه غومس على ترجمة الطوق ( ص : 52 ) وسانشت البرنس عند الدكتور الطاهر مكي : دراسات عن ابن حزم ص : 180 .