ابن حزم

40

رسائل ابن حزم الأندلسي

4 - دواعي التأليف : أحب أن أقول - بداع من إحساس يشبه اليقين - أن رسالة " طوق الحمامة " بدأت تسلية لصديق ذي ود صحيح لابن حزم ، كان يستوطن المرية - ولعله حلها بعد تفرق القرطبيين في الفتنة - . وفي موطنه الجديد ، نشب القرطبي المهاجر في براثن حب آسر ، على غير ما تسمح به السن ( فهو على الأرجح لدة لابن حزم ) ، أي لم يكن مثل ذي الرمة الذي راهق الثلاثين ، بل تجاوزها ، وحلمته العشائر ( 1 ) ، فكتب إلى صديقه وموضع سره ابن حزم ، يسأله في كتاب زادت معانيه على ما في سائر كتبه من قبل ، رأيه في هذا الذي نشب فيه ، ويتحدث إليه بحديث الحب ، ويسأله أن يطب له ، فدعا الله بينه وبين نفسه ان لا يكلنا " إلى ضعف عزائمنا وخور قوانا ووهاء بنيتنا ، وتلدد آرائنا ( أو آرابنا ) وسوء اختيارنا ، وقلة تميزنا ، وفساد أهوائنا " ، ولكنه حرك ساكناً وذكر أمراً متصلاً بالصبا والشباب ، والجراح لم تكد تندمل ، وفيما ابن حزم يقلب وجوه الرأي ، إذا بصديقه وقد استبطأ رده يسافر من المرية إلى شاطبة ليلقى صاحبه ويبث إليه ما في نفسه ، وما تكاد شاطبة تستقبل ذلك الصديق حتى تقوم القيامة ، وتسد في وجهه أبواب العودة إلى المرية ، لاشتعال نار الحرب بين مجاهد وخيران ، فلا يجد ابن حزم خيراً من قصص من ابتلي بمثل ما ابتلي صديقه ، يسليه عما ألم به ، ويضرب له المثل بالأئمة الراشدين والخلفاء المهديين ، ويذكره بما عرفاه من أحاديث العشاق والمحبين في قرطبة وغيرها ، بل يقدم له نفسه نموذجاً عجيباً لتصاريف الحب وشؤونه . وأنا أصدق ابن حزم فيما يقول ، لأنه منزه عن تعمد الكذب ، حتى وأن كان غيره يتخذ مثل هذه التعلة مدخلاً للتأليف ،

--> ( 1 ) من قول ذي الرمة : على حين راهقت الثلاثين وارعوت . . . لداتي وكاد الحلم بالجهل يرجع ويقول ( على لسان أخيه مسعود يلومه ) : أفي الدار تبكي أن تفرق أهلها . . . وأنت امرؤ قد حلمتك العشائر