ابن حزم

362

رسائل ابن حزم الأندلسي

صاحبي بلنسية ، لقدرت أن ها الخلق معدوم في زماننا ، ولكني ما رأيت قط رجلين استوفيا جميع أسباب الصداقة مع تأتي الأحوال الموجبة للفرقة غيرهما . 97 - ليس شيء من الفضائل أشبه بالرذائل من الاستكثار من الاخوان والأصدقاء . فإن ذلك فضيلة تامة مركبة ، لأنهم لا يكتسبون إلا بالحلم والجود والصبر والوفاء والاستضلاع والمشاركة والعفة وحسن الدفاع وتعليم العلم ، وبكل حالة محمودة . ولسنا نعني الشاكرية ( 1 ) والاتباع أيام الحرمة ، [ فأولئك لصوص الاخوان وخبث الأصدقاء ، والذين يظن أنهم أولياء وليسوا كذلك ، ودليل ذلك ] انحرافهم عند انحراف الدنيا ( 2 ) ، ولا نعني المصادقين لبعض الأطماع ، ولا المتنادمين على الخمر والمجتمعين على المعاصي والقبائح ونيل أعراض الناس والفضول وما لا فائدة فيه . فليس هؤلاء أصدقاء ، لنيل بعضهم من بعض وانحرافهم ( 3 ) عند فقد تلك الرذائل التي جمعتهم ، وإنما نعني إخوان الصفاء لغير معنى إلا لله عز وجل ، [ إما للتناصر على بعض الفضائل الجدية وإما لنفس المحبة المجردة فقط . ولكن ] إذا حصلت عيوب الاستكثار منهم [ وصعوبة الحال في إرضائهم والغرر في مشاركتهم ] وما يلزمك من الحق لهم عند نكبة تعرض لهم [ فإن غدرت بهم أو أسلمتهم لؤمت وذممت ، وإن وفيت أضررت بنفسك وربما هلكت ، وهذا الذي لا يرضي الفاضل بسواه إذا تنشب في الصداقة ، وإذا تفكرت في الهم بما يعرض لهم وفيهم من ] موت أو فراق ، أو غدر من يغدر منهم كان السرور بهم لا يفي بالحزن الممض من أجلهم . وليس في الرذائل شيء أشبه بالفضائل من محبة المدح ، لأنه

--> ( 1 ) الشاكري : الأجير ؛ قيل أنه معرب " جاكر " ومعناه " السخري " . ( 2 ) ص : ولسنا نعني الشاكرية والاتباع أيام الدنيا لانحرافهم عند انحراف الدنيا . ( 3 ) د : فليس هؤلاء أصدقاء ، ودليل ذلك أن بعضهم ينال من بعض وينحرف عنه .