ابن حزم
35
رسائل ابن حزم الأندلسي
وحكايات العشاق المشارقة من ذخيرة كبيرة تصورات الشعراء والرواة والقصاص لموضوع الحب . ولعله لم يكن يجد في البيئة الأندلسية تنظيراً حول " الحب " ، ولكن البيئة الأندلسية كانت تمده بشيئين هامين : أولهما ذلك الشعر العفيف المتشبه بالشعر العذري ، نزولاً على أحكام الظرف والفتوة السليمة ( وإن كان يوازيه في خط آخر شعر المجون ) ؛ وقد مهد أبن فرج في كتاب " الحدائق " لذلك السياق الأندلسي الخالص في شعر الحب ، وكان أبن حزم معجباً بكتابه ، كما كان يزيد على ما عرفه أبن فرج أشعاراً كثيرة جدت من بعده وجرت في ذلك السياق ، وأبو محمد ذو حافظة عجيبة وذوق رفيع في الحفظ والتخير ، وذو رغبة حافزة للاطلاع على كل ما يتصل بالأندلس من تراث أدبي وغير أدبي ؛ وثانيهما : قصص الحب في الأندلس ، ومنها المتصل بالماضي ومنها التجارب المعاصرة التي جرت لأفراد يعرفهم أبن حزم أو يسمع عنهم ، فذلك الشعر وتلك القصص كانا مظهرين هامين في " الحب الأندلسي " . فأما التنظير فقد بدأت بوادره تتسرب في مجالس الجدل كما يشير إلى ذلك كتاب الطوق نفسه ، وفي المحاورة التي جرت بين أبن كليب القيرواني وأبن حزم أيام كونهما بقرطبة في التفلسف حول أمور تتعلق بالحب ( 1 ) ما يدل على ذلك : وإليك هذه المحاورة ( ك أبن كليب ، ح أبن حزم ) . ك : إذا كره من أحب لقائي وتجنب قربي ما أصنع ح : أرى أن تسعى في إدخال الروح على نفسك بلقائه وإن كره . ك : ( أنا ) لا أرى ذلك بل أوثر هواه على هواي ومراده على مرادي ، وأصبر ولو كان في ذلك الحتف . ح : إني إنما أحببته لنفسي ولالتذاذها بصورته فأنا أتبع قياسي وأقود أصلي وأقفو طريقتي في الرغبة في سرورها .
--> ( 1 ) أنظر الباب الرابع عشر ، وهو باب الطاعة ص : 158 - 159 .