ابن حزم
31
رسائل ابن حزم الأندلسي
عن تدرج النفس من المادي إلى الروحاني فقالوا : " ثم أعلم أن الغرض الأقصى من وجود العشق في جبلة النفوس ومحبتها الأجساد واستحسانها لها ولزينة الأبدان ، واشتياقها إلى المعشوقات المفتنة ، كل ذلك إنما هو تنبه لها ومن نوم الغفلة ورقدة الجهالة ورياضة لها وتعريج لها وترقية من الأمور الجرمانية إلى المحاسن الروحانية ودلالة على معرفة جوهرها " ( 1 ) ذلك لأن كل المشتهيات في الأجساد رسوم طبعتها فيها النفس الكلية ، فإذا تأملتها النفس الجزئية حنت إليها ، وأحبتها ، فإذا غابت تلك الرسوم بقيت المحبة ، لأنها تمثل تشوق النفس الجزئية إلى النفس الكلية ، والنفس الكلية تشبه بالباري تعبداً له واشتياقاً ليه ، ولذلك كان الله هو المعشوق الأول الذي تشتاق إليه جميع الموجودات ونحوه تقصد لأنه هو الموجود المحض ، وله البقاء السرمدي والكمال المؤبد ( 2 ) . وعلى الرغم من تحول إخوان الصفا إلى نظرة أفلوطونية واضحة ، فليس ببعيد إذن أن تكون " المأدبة " مصدراً لكثير من تلك التصورات عن الحب ، ولكنها وأشباهها تمثل المصدر الفلسفي ، وهو مصدر يقف في موازاته المصدر الطبي ؛ فقد كان ابن داود نفسه يعرف أن بعض المتطببين يقول ، " العشق طمع يتولد في القلب ، وتجتمع إليه مواد من الحرص ، فكلما قوي ازداد صاحبه في الاهتياج واللجاج وشدة القلق وكثرة الشهوة ، وعند ذلك يكون احتراق الدم واستحالته إلى السوداء والتهاب الصفراء وانقلابها إلى السوداء ، ومن طغيان السوداء فساد الفكر ، ومع فساد الفكر تكون الفدامة ونقصان العقل ، ورجاء ما لا يكون وتمني ما لا يتم ، حتى يؤدي ذلك إلى الجنون ، فحينئذ ربما قتل العاشق نفسه ، وربما مات غماً ، وربما نظر إلى معشوقه فيموت فرحاً أو أسفاً ، وربما شهق شهقة فتختفي فيها روحه أربعاً وعشرين ساعة فيظنون أنه قد مات فيقبرونه وهو حي ، وربما تنفس الصعداء فتختنق نفسه في تامور قلبه
--> ( 1 ) رسائل 3 : 282 . ( 2 ) أنظر المصدر نفسه : 282 - 286 .