ابن حزم
300
رسائل ابن حزم الأندلسي
ولا مكروه ، فسارعت إليه وكان هذا سحراً ، فبعد أن صليت الصبح وأخذت زيي طرقني فكر فسنحت لي أبيات ، ومعي رجل من إخواني فقال لي : ما هذا الإطراق فلم أجبه حتى أكملتها ، ثم كتبتها ودفعتها إليه ، وأمسكت عن المسير حيث كنت نويت ، ومن الأبيات : [ من الطويل ] . أراقك حسن غيبه لك تأريق . . . وتبريد وصل سره فيك تحريق وقرب مزار يقتضي لك فرقة . . . وشكاً ولولا القرب لم يك تفريق ولذة طعم معقب لك علقماً . . . وصاباً وفسح في تضاعيفه ضيق ولو لم يكن جزاء ولا عقاب ولا ثواب لوجب علينا إفناء الأعمار ، وإتعاب الأبدان ، وإجهاد الطاقة ، واستنفاد الوسع ، واستفراغ بالعقل الذي ابتدأنا بالنعم قبل استئهالها ، وامتن علينا بالعقل الذي به عرفناه ، ووهبنا الحواس والعلم والمعرفة ودقائق الصناعات ، وصرف لنا السماوات جارية بمنافعها ، ودبرنا التدبير الذي لو ملكنا خلقنا لم نهتد إليه ، ولا نظرنا لأنفسنا نظره لنا ، وفضلنا على أكثر المخلوقات ، وجعلنا مستودع كلامه ومستقر دينه ، وخلق لنا الجنة دون أن نستحقها ، ثم لم يرض لعباده ان يدخلوها إلا بأعمالهم لتكون واجبة لهم ، قال الله تعالى : { جزاء بما كانوا يعملون } ( السجدة : 17 ) ورشدنا إلى سبيلها ، وبصرنا وجه ظلها ( 1 ) ، وجعل غاية إحسانه إلينا وامتنانه علينا حقاً من حقوقنا قبله ، وديناً لازماً له ، وشكرنا على ما أعطانا من الطاعة التي رزقنا قواها ، وأثابنا بفضله على تفضله - هذا كرم لا تهتدي إليه العقول ، ولا يمكن أن تكيفه ( 2 ) الألباب . ومن عرف ربه ومقدار رضاه وسخطه هانت عنده اللذات الذاهبة والحطام الفاني ، فكيف وقد أتى من وعيده ما تقشعر لسماعه الأجساد ، وتذوب له النفوس ، وأورد علينا من عذابه ما لم ينته إليه أمل ؛ فأين المذهب عن
--> ( 1 ) لعل الصواب " نيلها " . ( 2 ) لعل الصواب " تكتنفه " أو " تكتنهه " .