ابن حزم
296
رسائل ابن حزم الأندلسي
( الكهف : 49 ) { يوم الطامة الكبرى } ، { يوم يتذكر الإنسان ما سعى ، وبرزت الجحيم لمن يرى فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى . وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى } ( النازعات : 35 - 41 ) واليوم الذي قال الله تعالى فيه : { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً . اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً } ( الإسراء : 13 ، 14 ) عندها يقول العاصي : { يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } ( الكهف : 49 ) فكيف بمن طوي قلبه على أحر من جمر الغضا ، وطوي كشحه على أحد من السيف ، وتجرح غصصاً أمر من الحنظل ، وشرف نفسه كرها عما طمعت فيه وتيقنت ببلوغه وتهيأت له ولم يحل دونها حائل - لحري ( 1 ) أن يسر غداً يوم البعث ، ويكون من المقربين في دار الجزاء وعالم الخلود ، وأن يأمن روعات القيامة وهول المطلع ، وان يعوضه الله من هذه القرحة الأمن يوم الحشر . حدثني أبو موسى هارون بن موسى الطبيب قال : رأيت شاباً حسن الوجه من أهل قرطبة قد تعبد ورفض الدنيا ، وكان له أخ في الله قد سقطت بينهما مؤنة التحفظ ، فزاره ذات ليلة وعزم على المبيت عنده ، فعرضت لصاحب المنزل حاجة إلى بعض معارفه بالبعد عن منزله ، فنهض لها على أن ينصرف مسرعاً ، ونزل الشاب في داره مع امرأته ، وكانت غاية في الحسن وترباً للضيف في الصبا ، فأطال رب المنزل المقام إلى أن مشى العسس ولم يمكنه الانصراف إلى منزله ، فلما علمت المرأة بفوات الوقت وأن زوجها لا يمكنه المجيء تلك الليلة تاقت نفسها إلى ذلك الفتى فبرزت إليه ودعته إلى نفسها ، ولا ثالث لهما إلا الله عز وجل ، فهم بها ثم ثاب إليه عقله . وفكر في الله عز وجل فوضع إصبعه على السراج فتفقع ثم قال : يا نفس ، ذوقي
--> ( 1 ) لحري : جواب " إن " قبل سطور كثيرة ، حيث بدأ قوله في " الفقرة : وإن من هام قلبه الخ " .