ابن حزم
28
رسائل ابن حزم الأندلسي
إن مثل هذه النظرات ، يدلنا على لون " الفكر " الذي كان رائجاً حول الحب في المشرق قبل أبن حزم ، ويبين إلى أي مدى التقت مفهوماته عن طريق التجربة ، بما وقر في نفسه عن طريق الثقافة . ولكن المشرق قبل أبن حزم عرف آراء ونظرات أخرى في الحب ، أطلع عليها أبن حزم من بعد ، وكان أهمها ما قرأه في كتاب الزهرة ( 1 ) لأبي بكر محمد بن داود الأصبهاني ( - 297 / 910 ) وهو ظاهري أيضاً ، فقد جاء في ذلك الكتاب : " وزعم بعض المتفلسفين أن الله - جل ثناؤه - خلق كل روح مدورة الشكل على هيئة الكرة ، ثم قطعها أيضاً ، فجعل في كل جسد نصفاً ، وكل جسد لقي الجسد الذي فيه النصف الذي قطع من النصف الذي معه ، كان بينهما عشق للمناسبة القديمة ، وتتفاوت أحوال الناس في ذلك على حسب رقة طبائعهم " ( 2 ) . وقد أطلع أبن حزم على هذا القول ونسبه إلى أبن داود ولكنه أورده على النحو الآتي : " الأرواح أكر مقسومة ، لكن على سبيل مناسبة قواها في مقر عالمها العلوي ، ومجاورتها في هيئة تركيبها " . وبين النصين اختلاف جوهري ، ولكن هذا يجب ألا يستوقفنا أيضاً ، إنما الذي يستوقفنا هو فكرة " الأكر " التي انقسمت : من أين تسربت هذه الفكرة إلى أبن داود إن هذه الفكرة تقوي الحجة بأن كتاب " حوار المأدبة " كان معروفاً على نحو ما في القرن الثالث ، لأنه -
--> ( 1 ) دخل كتاب الزهرة إلى الأندلس - في أوائل القرن الرابع على أكثر تقدير - وقد عارضه أحمد بن فرج الجياني فألف علة نسقه كتاب " الحدائق " للحكم المستنصر واقتصر فيه على أشعار الأندلسيين ، وكانت وفاة أبن فرج في سجن المستنصر ( لعله إذن توفي قبل سنة 366 ) . وكان أبن حزم معجبا بالكتابين ، وهو يقول في كتاب ابن فرج " أحسن الاختيار فيه ما شاء ، وأجاد فيه فبلغ الغاية فأتى الكتاب فردا في معناه " ( الجذوة : 97 وأنظر ترجمة ابن فرج في المغرب 2 : 56 والمطمح : 79 ومعجم الأدباء 4 : 236 والمطرب : 4 وفي الجذوة والحلة السيراء نقول كثيرة عن الحدائق ) . ( 2 ) النصف الأول من كتاب الزهرة : ( تحقيق لويس نيكل ومساعدة إبراهيم طوقان ، بيروت 1932 ) ص : 15 .