ابن حزم
270
رسائل ابن حزم الأندلسي
ولقد أخبرني ثقة صدق من إخواني من أهل التمام في الفقه والكلام والمعرفة وذو صلابة في دينه ، أنه أحب جارية نبيلة أديبة ذات جمال بارع ، قال : فعرضت لها فنفرت ، ثم عرضت فأبت ، فلم يزل الأمر يطول وحبها يزيد ، وهي لا تطيع البتة ، إلى أن حملني فرط حبي لها مع عمى الصبا على أن نذرت أني متى نلت منها مرادي أتوب إلى الله توبة صادقة ؛ قال : فما مرت الأيام والليالي حتى أذعنت بعد شماس ونفار ؛ فقلت له : أبا فلان ، وفيت بعهدك فقال : أي والله ، فضحكت . وذكرت بهذه الفعلة ما لم يزل يتداول في أسماعنا من أن في بلاد البربر التي تجاوز أندلسنا يتعهد ( 1 ) الفاسق على أنه إذا قضى وطره ممن أراد أن يتوب إلى الله ، فلا يمنع من ذلك ، وينكرون على من تعرض له بكلمة ويقولون له : أتحرم رجلاً مسلماً التوبة . قال : ولعهدي بها تبكي وتقول : والله لقد بلغتني مبلغاً ما خطر قط لي ببال ، ولا قدرت ان أجيب إليه أحداً . ولست أبعد أن يكون الصلاح في الرجال والنساء موجوداً ، وأعوذ بالله أن أظن غير هذا ، وإني رأيت الناس يغلطون في معنى هذه الكلمة ، أعني " الصلاح " غلطاً بعيداً . والصحيح في حقيقة تفسيرها أن الصالحة من النساء هي التي إذا ضبطت انضبطت ، وإذا قطعت عنها الذرائع أمسكت ، والفاسدة هي التي إذا ضبطت لم تنضبط ، وإذا حيل بينها وبين الأسباب التي تسهل الفواحش تحيلت في أن تتوصل إليها بضروب من الحيل ؛ والصالح من الرجال من لا يداخل أهل الفسوق ولا يتعرض إلى المناظر الجالبة للأهواء ، ولا يرفع طرفه إلى الصور البديعة التركيب ؛ والفاسق من يعاشر أهل النقص وينشر بصره إلى
--> ( 1 ) برشيه : يتوب .