ابن حزم
263
رسائل ابن حزم الأندلسي
حمود قرطبة ( 1 ) ، والجيوش واردة عليها في الجهات تتسارب ، فرأيت في جملتهم فتى لم أقدر أن للحسن صورة قائمة حتى رأيته ، فغلب علي عقلي وهام به لبي ، فسألت عنه فقيل لي : هذا فلان ابن فلان ، من سكان جهة كذا ، ناحية قاصية عن قرطبة بعيدة المأخذ ، فيئست من رؤيته بعد ذلك . ولعمري يا أبا بكر لا فارقني حبه أو يوردني رمسي ، فكان ذلك . وأنا اعرف ذلك الفتى وأدريه ، وقد رأيته لكني أضربت عن اسمه لأنه قد مات ، والتقى كلاهما عند الله عز وجل ، عفا الله عن الجميع . هذا على أن عبد الله ، أكرم الله نزله ، ممن لم يكن له وله قط ، ولا فارق الطريقة المثلى ، ولا وطئ حراماً قط ، ولا قارف منكراً ، ولا أتى منهياً عنه يخل بدينه ومروءته ؛ ولا قارض من جفا عليه ، وما كان في طبقتنا مثله . ثم دخلت أنا قرطبة في خلافة القاسم بن محمود المأمون ( 2 ) فلم أقدم شيئاً على قصد أبي عمر القاسم بن يحيى التميمي أخي [ أبي ] عبد الله رحمه الله ، فسألته عن حاله وعزيته عن أخيه ، وما كان أولى بالتعزية عنه مني ، ثم سألته عن أشعاره ورسائله إذ كان الذي عندي منه قد ذهب بالنهب في السبب الذي ذكرته في صدر هذه الحكاية ، فأخبرني عنه أنه لما قربت وفاته وأيقن بحضور المنية ولم يشك في الموت دعا بجميع شعره وبكتبي التي كنت خاطبته أنا بها ، فقطعها كلها ثم أمر بدفنها . قال أبو عمر ، فقلت له : يا أخي دعها تبقى .
--> ( 1 ) دخلها في الثاني والعشرين من المحرم سنة 407 . ( 2 ) حكم القاسم بن حمود قرطبة بعد مقتل أخيه ( 408 ) وبقي حتى شهر ربيع الأول سنة 412 حين ثار عليه ابن أخيه ( يحيى بن علي ) فهرب القاسم عن قرطبة بلا قتال .