ابن حزم

259

رسائل ابن حزم الأندلسي

وهو ديوان عجيب جداً ، وكان أحسن الناس خلقاً وخلقاً ، وهو والد أبي الجعد الذي كان ساكناً بالجانب الغربي من قرطبة . وأنا اعلم جارية كانت لبعض الرؤساء فعزف عنها لشيء بلغه في جهتها لم يكن يوجب السخط ، فباعها ، فجزعت لذلك جزعاً شديداً وما فارقها النحول والأسف ، ولا بان عن عينها الدمع إلى أن سلت ، وكان ذلك سبب موتها ؛ ولم تعش بعد خروجها عنه إلا أشهراً ليست بالكثيرة . ولقد أخبرتني عنها امرأة أثق بها أنها لقيتها وهي قد صارت كالخيال نحولاً ورقة فقالت لها : أحسب هذا الذي بك من محبتك لفلان ، فتنفست الصعداء وقالت : والله لا نسيته أبداً ، وإن كان جفاني بلا سبب . وما عاشت بعد هذا القول إلا يسيراً . وأنا أخبرك عن أبي بكر أخي رحمه الله ، وكان متزوجاً بعاتكة بنت قند ( 1 ) ، صاحب الثغر الأعلى أيام المنصور أبي عامر محمد ابن عامر ، وكانت التي لا مرمى وراءها في جمالها وكريم خلالها ، ولا تأتي الدنيا بمثلها في فضائلها ، وكانا في حد الصبا وتمكن سلطانه تغضب كل واحد منهما الكلمة التي لا قدر لها ، فكانا لم يزالا في تغاضب وتعاتب مدة ثمانية أعوام ، وكانت قد شفها حبه وأضناها الوجد فيه وأنحلها شدة كلفها به ، حتى صارت كالخيال المتوهم ( 2 ) دنفاً ، لا يلهيها من الدنيا شيء ، ولا تسر من أموالها - على عرضها وتكاثرها - بقليل ولا كثير إذ فاتها اتفاقه معها وسلامته لها ، إلى أن توفي أخي رحمه الله في الطاعون الواقع بقرطبة في شهر ذي القعدة سنة إحدى وأربعمائة ، وهو ابن اثنين وعشرين سنة ، فما انفكت منذ

--> ( 1 ) انظر ليفي بروفنسال : ( Histoire de l'Espagne Musulmane ، Vol . ll ، p . 64 ، n 3 . ) . وقند هذا ( ويكتبه بروفنسال Kand وأحسبه خطأ ) هو الذي استرد مدينة سالم في أيام الناصر ( سنة 336 / 947 ) ويقول بروفنسال في تعليقه : " علينا ألا نخلط بين قند هذا وبين شخص آخر اسمه " قند الأكبر " وكان أيضاً مولى لعبد الرحمن الناصر " . ( 2 ) بتروف : المتوسم ؛ وتابعه على ذلك آخرون .