ابن حزم

252

رسائل ابن حزم الأندلسي

رحمه الله ونحن في هذه الأحوال بعد العصر يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة عام اثنتين وأربعمائة ، واتصلت بنا تلك الحال بعده إلى أن كانت عندنا جنازة لبعض أهلنا فرأيتها - وقد ارتفعت الواعية ( 1 ) - قائمة في المأتم وسط النساء في جملة البواكي والنوادب ، فلقد أثارت وجداً دفيناً وحركت ساكناً ، وذكرتني عهداً قديماً ، وحباً تليداً ، ودهراً ماضياً ، وزمناً عافياً ، وشهوراً خوالي ، وأخباراً توالي ، ودهوراً فواني ، وأياماً قد ذهبت ، وآثاراً قد دثرت ، وجددت أحزاني ، وهيجت بلابلي ، على أني كنت في ذلك النهار مرزءاً مصاباً من وجوه ، وما كنت نسيت ، ولكن زاد الشجى وتوقدت اللوعة وتأكد الحزن وتضاعف الأسف ، واستجلب الوجد ما كان منه كامناً فلباه مجيباً ، فقلت قطعة منها : [ من الطويل ] يبكي لميت مات وهو مكرم . . . وللحي أولى بالدموع الذوارف فيا عجباً من آسف لامرئ ثوى . . . وما هو للمقتول ظلماً بآسف ثم ضرب الدهر ضربانه وأجلينا عن منازلنا ، وتغلب علينا جند البربر ، فخرجت عن قرطبة أول المحرم سنة أربع وأربعمائة ، وغابت عن بصري بعد تلك الرؤية الواحدة ستة أعوام وأكثر ، ثم دخلت قرطبة في شوال سنة تسع وأربعمائة ، فنزلت على بعض نسائنا فرأيتها هنالك ، وما كدت أن أميزها حتى قيل لي هذه فلانة - وقد تغير أكثر محاسنها وذهبت نضارتها ، وفنيت تلك البهجة وغاض ذلك الماء الذي كان يرى كالسيف الصقيل والمرآة الهندية ، وذبل ذلك النوار الذي كان البصر يقصد نحوه منبهراً ويرتاد فيه متخيراً وينصرف عنه متحيراً ، فلم يبق إلا البعض المنبئ عن الكل ، والخبر المخبر عن الجميع ، وذلك لقلة اهتبالها بنفسها وعدمها الصيانة التي كانت غذيت بها أيام دولتنا وامتداد ظلنا ولتبذلها في الخروج فيما لابد لها منه مما كانت تصان

--> ( 1 ) الواعية : الصراخ على الميت .