ابن حزم

250

رسائل ابن حزم الأندلسي

فلبثن صدراً من النهار ثم تنقلن إلى قصبة كانت في دارنا مشرفة على بستان الدار ويطلع منها على جميع قرطبة وفحوصها ، مفتحة الأبواب ؛ فصرن ينظرن من خلال الشراجيب ( 1 ) وأنا بينهن ، فإني لأذكر أني كنت أقصد نحو الباب الذي هي فيه أنساً بقربها متعرضاً للدنو منها ، فما هو إلا أن تراني في جوارها فتترك ذلك الباب وتقصد غيره في لطف الحركة ، فأتعمد أنا القصد إلى الباب الذي صارت إليه فتعود إلى مثل ذلك الفعل من الزوال إلى غيره ؛ وكانت قد علمت كلفي بها ولم يشعر سائر النسوان بما نحن فيه ، لأنهن كن عدداً كثيراً ، وإذا كلهن ينتقلن من باب إلى باب لسبب الاطلاع من بعض الأبواب على جهات لا يطلع من غيرها عليها ، واعلم أن قيافة النساء فيمن يميل إليهن أنفذ من قيافة مدلج ( 2 ) في الآثار ، ثم نزلن إلى البستان فرغب عجائزنا وكرائمنا إلى سيدتها في سماع غنائها ، فأمرتها فأخذت العود وسوته بخفر وخجل لا عهد لي بمثله ، وإن الشيء يتضاعف حسنه في عين مستحسنه ، ثم اندفعت تغني بأبيات العباس بن الأحنف ، حيث يقول ( 3 ) : [ من البسيط ] إني طربت إلى شمس إذا غربت . . . كانت مغاربها ( 4 ) جوف المقاصير شمس ممثلة في خلق جارية . . . كأن أعطافها ( 5 ) طي الطوامير ليست من الإنس إلا في مناسبة . . . ولا من الجن إلا في التصاوير

--> ( 1 ) الشراجيب : الشبابيك أو الطاقات ؛ ويكون الشباك مشرجباً إذا كان من خشب بهيئة مربعات ، ومن أمثالهم العامية زاد ف المشرجب بيت ، ويشير المعتمد في شعره ( الحلة 2 : 133 ) إلى قصر الشراجيب . ( انظر الأمثال العامية 2 : 230 وتعليقات المحقق على المثل رقم 1010 ) . ( 2 ) مدلج : رجل من كنانة كان مشهوراً بالقيافة ، أي قص الأثر . ( 3 ) انظر ديوان العباس بن الأحنف : 113 . ( 4 ) الديوان : مشارقها . ( 5 ) في الديوان : كأنما كشحها .