ابن حزم

221

رسائل ابن حزم الأندلسي

والوداع ينقسم قسمين ، أحدهما لا يتمكن فيه إلا بالنظر والإشارة والثاني يتمكن فيه بالعناق والملازمة ، وربما لعله كان لا يمكن قبل ذلك البتة مع تجاوز المحال وإمكان التلاقي ، ولهذا تمنى بعض الشعراء البين ومدحوا يوم النوى ، وما ذاك بحسن ولا بصواب ولا بالأصيل من الرأي ، فما يفي سرور ساعة بحزن ساعات ، فكيف إذا كان البين أياماً وشهوراً وربما أعواماً وهذا سوء من النظر ومعوج من القياس ، وإنما أثنيت على النوى في شعري تمنياً لرجوع يومعا ، فيكون في كل يوم لقاء ووداع ، على أن تحتمل مضض هذا الاسم الكريه ، وذلك عندما يمضي من الأيام التي لا التقاء فيها فحينئذ يرغب المحب من يوم الفراق لو أمكنه في كل يوم ؛ وفي الصنف الأول من الوداع أقول شعراً منه : [ من البسيط ] . تنوب عن بهجة الأنوار بهجته . . . كما تنوب عن النيران أنفاسي وفي الصنف الثاني من الوداع أقول شعراً منه : [ من البسيط ] . وجه تخر له الأنوار ساجدة . . . والوجه تم فلم ينقص ولم يزد دفء وشمس الضحى بالجدي نازلة . . . وبارد ناعم والشمس في الأسد ومنه : يوم الفراق لعمري لست أكرهه . . . أصلا وإن شت شمل الروح عن جسدي ففيه عانقت من أهوى بلا جزع . . . وكان من قبله إن سيل لم يجد أليس من عجب دمعي ( 1 ) وعبرتها . . . يوم الوصال ليوم البين ذو حسد

--> ( 1 ) برشيه : أليس من عجب واعجب بعبرته .