ابن حزم

208

رسائل ابن حزم الأندلسي

عنها بما ليس في مثله شغل ، فكتبت إليه شعراً أعاتبه فيه ، فجاوبني مستعتباً على ذلك ، فما كلفته حاجة بعدها . ومما لي في هذا المعنى وليس من جنس الباب ولكنه يشبهه أبيات قلتها ، منها : [ من البسيط ] . وليس يحمد كتمان لمكتتم . . . لكن كتمك ما أفشاه مفشيه كالجود بالوفر أسنى ما يكون إذا . . . قل الوجود له أو ضن معطيه 3 - ثم مرتبة ثالثة وهي الوفاء مع اليأس البات وبعد حلول المنايا وفجاءات المنون ، وإن الوفاء في هذه الحالة لأجل وأحسن منه في الحياة ومع رجاء اللقاء . خبر : ولقد حدثتني امرأة أثق بها أنها رأت في دار محمد بن وهب المعروف بابن الركيزة ( 1 ) من ولد بدر ( 2 ) ، الداخل مع الإمام عبد الرحمن بن معاوية رضي الله عنه ، جارية رائعة جميلة كان لها مولى فجاءته المنية فبيعت في تركته ، فأبت أن ترضى بالرجال بعده ، وما جعلها رجل إلى أن لقيت الله عز وجل ؛ وكانت تحسن الغناء فأنكرت علمها به ، ورضيت بالخدمة والخروج عن جملة المتخذات للنسل واللذة والحال الحسنة وفاء منها لمن دثر ووارته الأرض والتأمت عليه الصفائح ، ولقد رامها سيدها المذكور أن يضمها إلى فراشه مع سائر جواريه ويخرجها مما هي فيه فأبت ، فضربها غير مرة وأوقع بها الأدب ، فصبرت على ذلك كله ، فأقامت على امتناعها ؛ وإن هذا من الوفاء غريب جداً . واعلم أن الوفاء على المحب أوجب منه على المحبوب وشرطه له

--> ( 1 ) برشيه : بأبي ركيزة ؛ ولا أدرس على أي شيء اعتمد في هذا التغيير . ( 2 ) أخبار بدر مولى عبد الرحمن الداخل وجهوده في خدمته لإقامة الدولة في الأندلس ، تراجع في نفح الطيب 3 : 27 - 31 .