ابن حزم
206
رسائل ابن حزم الأندلسي
خبر : ومن أرفع ( 1 ) ما شاهدته من الوفاء في هذا المعنى وأهوله شأناً قصة رأيتها عياناً ، وهو أني أعرف من رضي بقطيعة محبوبه وأعز الناس عليه ، ومن كان الموت عنده أحلى من هجر ساعة في جنب طيه لسر أودعه ، والتزم محبوبه يميناً غليظة ألا يكلمه أبداً ولا يكون بينهما خبر أو يفضح إليه ذلك السر ؛ على أن صاحب ذلك السر كان غائباً فأبى من ذلك وتمادى هو على كتمانه والثاني على هجرانه إلى أن فرقت بينهما الأيام . 2 - ثم مرتبة ثانية وهو الوفاء لمن غدر ، وهي للمحب دون المحبوب ، وليس للمحبوب ها هنا طريق ولا يلزمه ذلك ، وهي خطة لا يطيقها إلا جلد قوي واسع الصدر حر النفس عظيم الحلم جليل الصبر حصيف العقدة ( 2 ) ماجد الخلق سالم النية . ومن قابل الغدر بمثله فليس بمستأهل للملامة ، ولكن الحال التي قدمنا تفوقها جداً وتفوتها بعداً . وغاية الوفاء في هذه الحال ترك مكافأة الأذى بمثله ، والكف عن سئ المعارضة بالفعل والقول ، والتأني في جذ ( 3 ) حبل الصحبة ما أمكن ورجيت الألفة وطمع في الرجعة ولاحت للعودة أدنى مخيلة وشيمت منها أقل بارقة ، أو توجس منها أيسر علامة . فإذا وقع اليأس واستحكم الغيظ فحينئذ [ لذ ] بالسلامة ممن غرك ، والأمن ممن ضرك ، والنجاة ممن آذاك ( 4 ) ، وأن يكون ذكر ما سلف مانعاً من شفاء الغيظ فيما وقع ، فرعي الأذمة ( 5 ) حق وكيد على أهل العقول ، والحنين
--> ( 1 ) برشيه : أشنع . ( 2 ) برشيه والصريفي ومكي : العقل . ( 3 ) بعض الطبعات : جر . ( 4 ) بتروف : حينئذ والسلامة من غرك والأمن من ضرك والنجاة من اذاك ؛ وتابعه على ذلك الصيرفي ومكي ؛ والنص مضطرب ، والتصويب عن برشيه . ( 5 ) برشيه : الذمة .