ابن حزم
194
رسائل ابن حزم الأندلسي
البصيرة في صحة عقده ، فحينئذ يظهر المحبوب هجراناً ليرى صبر محبه ، وذلك لئلا يصفو الدهر البتة ، وليأسف المحب إن كان مفرط العشق عند ذلك لا لما حل ، لكن مخافة أن يترقى إلى ما هو أجل فيكون ذلك الهجر سبباً إلى غيره ، أو خوفاً من آفة حادث ملل . ولقد عرض لي في الصبا هجر مع بعض من كنت آلف ، على هذه الصفة ، وهو لا يلبث أن يضمحل ثم يعود ؛ فلما كثر ذلك قلت على سبيل المزاح شعراً بديهياً ختمت كل بيت منه بقسيم ( 1 ) من أول قصيدة طرفة بن العبد المعلقة ، وهي التي قرأناها مشروحة على أبي سعيد الفتى الجعفري عن أبي بكر المقرئ عن أبي جعفر النحاس ( 2 ) ، رحمهم الله ، في المسجد الجامع بقرطبة ، وهي : [ من الطويل ] تذكرت وداً للحبيب كأنه . . . " لخولة أطلال ببرقة ثهمد " وعهدي بعهد كان لي منه ثابت . . . " يلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد " وقفت به لا موقناً برجوعه . . . " ولا آيساً أبكي وأبكي إلى الغد " إلى أن أطال الناس عذلي وأكثروا . . . " يقولون لا تهلك أسى وتجلد "
--> ( 1 ) في جميع الطبعات : يقسم . ( 2 ) هذا هو السند الذي نقلت به " المعلقات التسع " إلى الأندلسيين عن شارحها ابن النحاس ؛ أخذها عنه أبو بكر محمد بن علي الأذفوي وعن الأذفوي أخذها أبو سعيد خلف مولى الحاجب جعفر ، الفتى المقرئ المعروف بالجعفري ؛ وهذا الفتى الجعفري سكن قرطبة ، ثم رحل إلى المشرق فسمع بمكة ، ولقي الأذفوي بمصر وأخذ عن علماء القيروان ، وكان من أهل القرآن والعلم نبيلاً من أهل الفهم ، مائلاً إلى الزهد والانقباض ، خرج عن قرطبة في الفتنة وقصد طرطوشة وتوفي بها سنة 425 وقيل 429 ( فهرسة ابن خير 366 - 369 ، وانظر ترجمته أيضاً في الصلة : 164 ) وأما أبو بكر الاذفوي ( نسبة إلى أذفو - بالذال المعجمة ، أو بالدال المهملة - بصعيد مصر ) فقد كان نحوياً مفسراً مقرئاً ثقة ، وكان يتجر بالخشب ، وله كتاب التفسير في القرآن في مائة وعشرين مجلداً ، وكانت وفاته بمصر سنة 388 ( غاية النهاية 2 : 198 وعبر الذهبي 3 : 41 ) قلت : وفي تسمية ابن خير لها " المعلقات التسع " تجوز لان ابن النحاس أنكر التعليق جملة وسماها القصائد التسع .