ابن حزم

191

رسائل ابن حزم الأندلسي

- 21 - باب الهجر ومن آفات الحب أيضاً الهجر ، وهو على ضروب : 1 - فأولها ؛ هجر يوجبه تحفظ من رقيب حاضر ؛ وإنه لأحلى من كل وصل . ولولا أن ظاهر اللفظ وحكم التسمية يوجب إدخاله في هذا الباب لرجعت ( 1 ) به عنه ولأجللته عن تسطيره فيه . فحينئذ ترى الحبيب منحرفاً عن محبه ، مقبلاً بالحديث على غيره ، معرضاً بمعرض لئلا تلحق ظنته أو تسبق استرابته ؛ وترى المحب أيضاً كذلك ، ولكن طبعه له جاذب ، ونفسه له صارفة بالرغم ، فتراه حينئذ منحرفاً كمقبل ، وساكتاً كناطق ، وناظراً إلى جهة نفسه في غيرها ؛ والحاذق الفطن إذا كشف بوهمه عن باطن حديثهما علم أن الخافي غير البادي ، وما جهر به غير نفس الخبر ، وإنه لمن المشاهد الجالبة للفتن ، والمناظر المحركة للسواكن ، الباعثة للخواطر ، المهيجة للضمائر ، الجاذبة للفتوة . ولي أبيات في شيء من هذا أوردتها ، وإن كان فيها غير هذا المعنى على ما شرطنا ، منها : [ من الطويل ] يلوم أبو العباس جهلاً بطبعه . . . كما عير الحوت النعامة بالصدى ( 2 )

--> ( 1 ) برشيه : لأرجأت . ( 2 ) الصدى : الظمأ ؛ والعرب في أمثالها تقول أروى من حوت لأنه لا يفارق الماء وتقول أظمأ من حوت وأعطش من حوت يزعمون بلا بينة انه يعطش وهو في البحر ، وفي الوقت نفسه يقولون : أروى من نعامة ( لأنها مستغنية عن الماء ) ؛ انظر هذه الأمثال في الدرة الفاخرة .