ابن حزم
184
رسائل ابن حزم الأندلسي
ومن الناس من يقول : إن دوام الوصل يودي بالحب ، وهذا هجين من القول ، إنما ذلك لأهل الملل ، بل كلما زاد وصلاً زاد اتصالاً . وعني أخبرك أني ما رويت قط من ماء الوصل ولا زادني إلا ظلماً ، وهذا حكم من تداوى بدائه وإن رفه عنه شيئاً ما ( 1 ) . ولقد بلغت من التمكن بمن أحب أبعد الغايات التي لا يجد الإنسان وراءها مرمى فما وجدتني إلا مستزيداً ، ولقد طال بي ذلك فما أحسست بسآمة ولا رهقتني فترة . وقد ضمني مجلس مع بعض من كنت أحب فلم أجل خاطري في فن من فنون الوصل إلا وجدته مقصراً عن مرادي ، وغير شاف وجدي ولا قاض أقل لبانة من لباناتي ، ووجدتني كلما ازددت دنواً ازددت ولوعاً ، وقدحت زناد الشوق نار الوجد بين ضلوعي ، فقلت في ذلك المجلس : [ من الطويل ] . وددت بان القلب شق بمدية . . . وأدخلت فيه ثم أطبق في صدري فأصبحت فيه لا تحلين غيره . . . إلى مقتضى يوم القيامة والحشر تعيسين فيه ما حييت فإن أمت . . . سكنت شغاف القلب في ظلم القبر وما في الدنيا حالة تعدل محبين إذا عدما الرقباء وأمنا الوشاة ، وسلما من البين ورغبا عن الهجر ، وبعدا عن الملل وفقدا العذال ، وتوافقا في الأخلاق ، وتكافيا في المحبة ، وأتاح الله لهما رزقاً داراً ، وعيشاً قاراً ، وزماناً هادياً ، وكان اجتماعهما على ما يرضي الرب من الحلال ( 2 ) ، وطالت صحبتهما واتصلت إلى وقت حلول الحمام الذي
--> ( 1 ) أثبت قراءة برشيه ، وعند غيره : تداوى برأيه عنه سريعا . ( 2 ) في معظم الطبعات : من الحال .