ابن حزم

179

رسائل ابن حزم الأندلسي

أوامر رب العرش أضيع عنده . . . وأهون من شكوى إلى غير راحم تجمع فيه كل خزي وفضحة . . . فلم يبق شتماً في المقال لشاتم وأثقل من عذل على غير قابل . . . ( 1 ) وأبرد برداً من مدينة سالم وأبغض من بين وهجر ورقبة . . . جمعن على حران حيران هائم وليس من نبه غافلاً ، أو نصح صديقاً ، أو حفظ مسلماً ، أو حكى عن فاسق أو حدث عن عدو - ما لم يكن يكذب ولا يكذب ، ولا تعمد الضغائن - منقلاً ( 2 ) . وهل هلك الضعفاء وسقط من لا عقل له إلا في قلة المعرفة بالناصح من النمام ، وهما صفتان متقاربتان في الظاهر متفاوتتان في الباطن ، إحداهما داء والأخرى دواء . والثاقب القريحة لا يخفى عليه أمرهما ، لكن الناقل من كان تنقيله غير مرضي في الديانة ، ونوى به التشتيت بين الأولياء ، والتضريب بين الإخوان ، والتحريش والتوبيش ( 3 ) والرقيش . فمن خاف إن سلك طريق النصيحة ان يقع في طريق النميمة ، ولم يثق لنفاذ تمييزه ومضاء تقديره فيما يرده من أمور دنياه ومعاملة أهل زمانه ، فليجعل دينه دليلاً وسراجاً يستضيء به ، فحيثما سلك به سلك وحيثما أوقفه وقف ، وكفيلاً له بالنظر وزعيماً بالإصابة وضماناً للفلج والخلاص ( 4 ) . فشارع الشريعة وباعث الرسول عليه السلام ومرتب الأوامر والنواهي أعلم بطريق الحق وأدرى بعواقب السلامة ومغبات النجاة من كل ناظر لنفسه بزعمه ، وباحث بقياسه في ظنه .

--> ( 1 ) مدينة سالم : ( Medinacelli ) : تقع على بعد 135 كيلو متراً على الطريق من مدريد إلى سرقسطة ، وقد توفي المنصور بها ودفن هنالك ؛ وهي في منطقة شديدة البرودة شتاء ، فلذلك ضرب بها المثل هنا ( انظر الإدريسي ( دوزي ) : 189 ) . ( 2 ) برشيه : ناقلاً ؛ وتعد " منقلاً " خبر " ليس " في أول الفقرة . ( 3 ) التوبييش : لعلها من وبش الكلام وهو الردئ منه ؛ وقرأ برشيه " والتوحيش " . ( 4 ) وكفيلاً له والخلاص : سقطت هذه العبارة من طبعة الصيرفي ومكي والطبعة البيروتية .