ابن حزم

173

رسائل ابن حزم الأندلسي

وما في جميع الناس شر من الوشاة ، وهم النمامون ، وإن النميمة ( 1 ) لطبع يدل على نتن الأصل ، ورداءة الفرع ، وفساد الطبع ، وخبث النشأة ، ولابد لصاحبه من الكذب ؛ والنميمة فرع من فروع الكذب ونوع من أنواعه ، وكل نمام كذاب ، وما أحببت كذاباً قط ، وإني لأسامح في إخاء كل ذي عيب وإن كان عظيماً ، واكل أمره إلى خالقه عز وجل ، وآخذ ما ظهر من أخلاقه حاشا من أعلمه يكذب ، فهو عندي ماح لكل محاسنه ، وذلك لان كل ذنب فهو يتوب عنه صاحبه وكل ذام فقد يمكن الاستتار به والتوبة منه ، حاشا الكذب فلا سبيل إلى الرجعة عنه ولا إلى كتمانه حيث كان . وما رأيت قط ولا أخبرني من رأى كذاباً ترك الكذب ولم يعد إليه ، ولا بدأت قط بقطيعة ذي معرفة إلا أن أطلع له على الكذب ، فحينئذ أكون أنا القاصد إلى مجانبته والمتعرض لمتاركته ، وهي سمة ما رأيتها قط في أحد إلا وهو مزنون إليه بشر في نفسه ، مغموز عليه لعاهة سوء في ذاته ، نعود بالله من الخذلان . وقد قال بعض الحكماء : آخ من شئت واجتنب ثلاثة : الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك ، والملوك فإنه أوثق ما تكون به لطول الصحبة وتأكدها بخذلك ، والكذاب فإنه يجني عليك آمن ما كنت فيه من حيث لا تشعر . وحديث عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم : " حسن العهد من الإيمان " ( 2 ) ؛ وعنه عليه السلام : " لا يؤمن الرجل بالإيمان كله حتى يدع الكذب في المزاح " ( 3 ) . حدثنا

--> ( 1 ) قارن بين هذه الحملة الشديدة على النميمة هنا ، وبين قول ابن حزم في رسالته في الأخلاق والسير : " واما النميمة فهي التبليغ لما سمع مما لا ضرر فيه على المبلغ إليه " ( رسائل ابن حزم : 133 ) . ( 2 ) ورد في ارشاد الساري 9 : 21 واتقان الغزي : 52 وعيون الأخبار 3 : 15 والبصائر 7 : 651 . ( 3 ) انظر مسند أحمد 2 : 352 ، 364 .