ابن حزم
171
رسائل ابن حزم الأندلسي
يحب ، بعد أن يكون المحبوب ذا عقل ، وله حظ من تمييز ، ثم يدعه والمطاولة ( 1 ) . فإذا تكذب عنده نقل الواشي مع ما اظهر من التحفظ والجفاء ، ولم يسمع لسره إذاعة علم أنه إنما زور له الباطل ، واضمحل ما قام في نفسه . ولقد شاهدت هذا بعينه لبعض المحبين مع بعض من كان يحب ، وكان المحبوب شديد المراقبة عظيم الكتمان ، وكثر الوشاة بينهما وحدث في حب لم يكن ، حتى ظهرت اعلام ذلك في وجهه ، وركبته وجمة ( 2 ) ، وأظلته فكرة ، ودهمته حيرة ، إلى أن ضاق صدره وباح بما نقل إليه ؛ فلو شاهدت مقام المحب في اعتذاره لعلمت أن الهوى سلطان مطاع ، ناء مشدود الأواخي ، وسنان نافذ ، وكان اعتذاره بين الاستسلام والاعتراف والإنكار والتوبة والرمي بالمقاليد ، فبعد لأي ما صلح الأمر بينهما . وربما ذكر الواشي أن ما يظهر المحب من المحبة ليس بصحيح ( 3 ) ، وان مذهبه في ذلك شفاء نفسه وبلوغ وطره ؛ وهذا فصل من النقل وإن كان شديداً فهو أيسر معاناة مما قبله . فحالة المحب غير حالة المتلذذ . وشواهد الوجد متفاوتة بينهما . وقد وقع من هذا نبذ كافية في باب الطاعة . وربما نقل الواشي أن هوى العاشق مشترك ، وهذه النار المحرقة والوجع الفاشي في الأعضاء . وإذا وافق الناقل لهذه المقالة ان يكون المحب فتى حسن الوجه حلو الحركات ، مرغوباً فيه مائلاً إلى اللذات ، دنياوي الطبع ، والمحبوب امرأة جليلة القدر سرية المنصب ، فأقرب الأشياء سعيها في إهلاكه وتصديها لحتفه ، وهذه كانت ميتة مروان بن أحمد بن حدير ، والد أحمد المتنسك ، وموسى وعبد
--> ( 1 ) برشيه : يديمه المطاولة . ( 2 ) مكي والصيرفي : رحمة . ( 3 ) بتروف والصيرفي ومكي : ليست بصحيحة .