ابن حزم
152
رسائل ابن حزم الأندلسي
ضميره ، لاستدام لباس العافية ، ولم ينهج برد الصيانة ، ولكان له في لقاء من بلي به ومحادثته ومجالسته أمل من الآمال وتعلل كاف ؛ وإن حبل العذر ليقطع به ، والحجة عليه قائمة ؛ إلا أن يكون مختلطاً في تمييزه ، أو مصاباً في عقله بجليل ما فدحه ، فربما آل ذلك لعذر صحيح ، وأما إن كانت له بقية [ من عقل ] أو ثبتت مسكة فهو ظالم في تعرضه ما يعلم أن محبوبه يكرهه ويتأذى به . هذا غير صفة أهل الحب ، وسيأتي هذا مفسراً في باب الطاعة ، إن شاء الله تعالى . ومن أسباب الشف وجه ثالث ، وهو عند أهل العقول وجه مرذول وفعل ساقط ؛ وذلك أن يرى المحب من محبوبه غدراً أو مللاً أو كراهة ؛ فلا يجد طريق الانتصاف منه إلا بما ضرره عليه أعود منه على المقصود من الكشف والاشتهار ، وهذا أشد العار وأقبح الشنار وأقوى شواهد عدم العقل ووجود السخف . وربما كان الكشف من حديث ينتشر وأقاويل تفشو ، توافق قلة مبالاة من المحب بذلك ، ورضى بظهور سره ، إما لإعجاب أو لاستظهار على بعض ما يؤمله ؛ وقد رأيت هذا الفعل لبعض إخواني من أبناء القواد . وقرأت في بعض أخبار الأعراب أن نساءهم لا يقنعن ولا يصدقن عشق عاشق لهن حتى يشتهر ويكشف حبه ويجاهر ويعلن وينوه بذكرهن ، ولا أدري ما معنى هذا ، على أنه يذكر عنهن العفاف ، وأي عفاف مع امرأة أقصى مناها وسرورها الشهرة في هذا المعنى !