ابن حزم

150

رسائل ابن حزم الأندلسي

جارية مقصورة فلم ( 1 ) بها وقطعه حبها عن كثير من مصالحه ، وظهرت آيات هواه لكل ذي بصر ، إلى أن كانت هي تعذله على ما ظهر منه مما يقوده إليه هواه ( 2 ) . خبر : وحدثني موسى بن عاصم بن عمرو قال : كنت بين يدي أبي الفتح والدي رحمه الله وقد أمرني بكتاب أكتبه ، إذ لمحت عيني جارية كنت أكلف بها ، فلم أملك نفسي ورميت الكتاب عن يدي وبادرت نحوها . وبهت أبي وظن أنه عرض لي عارض ؛ ثم راجعني عقلي فمسحت وجهي ثم عدت واعتذرت بأنه غلبني الرعاف . واعلم أن هذا داعية نفار المحبوب وفساد في التدبير ، وضعف في السياسة ؛ وما شيء من الأشياء إلا وللمأخذ فيه سنة وطريقة متى تعداها الطالب أو خرق في سلوكها انعكس عمله عليه ، وكان كده عناء ، وتعبه هباء ، وبحثه وباء ( 3 ) . وكلما زاد عن وجه السيرة انحرافاً وفي تجنبها إغراقاً وفي غير الطريق إيغالاً ازداد عن بلوغ مراده بعداً ؛ وفي ذلك أقول قطعة منها : [ من الطويل ] . ولا تسع في الأمر الجسيم تهازؤاً . . . ولا تسع جهراً في اليسير تريده وقابل أفانين الزمان متى يرد . . . عليك فإن الدهر جم وروده بأشكالها ( 4 ) من حسن سعيك يكفك ال . . . ( 5 ) يسير يسير والشديد شديده ألم تبصر المصباح أول وقده . . . وإشعاله ، بالنفخ يطفا وقوده

--> ( 1 ) لم بها : أصابه مس أو لمم ؛ وهي قراءة بتروف وبرشيه ؛ وغيرت إلى " وهام بها " عند الصيرفي ومكي . ( 2 ) برشيه : مما يقوده إلى مهوى . ( 3 ) برشيه : وبحثه زيادة . ( 4 ) بأشكالها : متعلقة بالفعل " وقابل " أي : وقابل أفانين الزمان بأشكالها . ( 5 ) هذا الشطر شديد التصحيف في معظم الطبعات : والمعنى انك إذا قابلت أفانين الزمان بأشكالها ، فغن اليسير من حسن سعيك يواجه اليسير من أفانين الزمان ، والشديد يقف في وجه الشديد من أفانينه .