ابن حزم

138

رسائل ابن حزم الأندلسي

هذه الثانية منفذاً انصرف إلى ما قابله من الجسم ، وإن كان صالح غلام أبي إسحاق النظام ( 1 ) خالف في الإدراك فهو قول ساقط لم يوافقه عليه أحد . ولو لم يكن من فضل العين إلا أن جوهرها ارفع الجواهر وأعلاها مكاناً ، لأنها نورية لا تدرك الألوان بسواها ، ولا شيء أبعد مرمى ولا أنأى غاية منها ، لأنها تدرك بها أجرام الكواكب التي في الأفلاك البعيدة ، وترى بها السماء على شدة ارتفاعها وبعدها ، وليس ذلك إلا لاتصالها في طبع خلقتها بهذه المرآة ، فهي تدركها وتصل إليها بالطفر ( 2 ) ، لا على قطع الأماكن والحلول في المواضع وتنقل الحركات ، وليس هذا لشيء من الحواس مثل الذوق واللمس ، لا يدركان إلا بالمجاورة ، والسمع والشم ، لا يدركان إلا من قريب . ودليل على ما ذكرناه من الطفر أنك ترى المصوت قبل سماع الصوت ، وإن تعمدت إدراكهما معاً ، ولو كان إدراكهما واحداً لما تقدمت العين السمع .

--> ( 1 ) لم أجد تعريفاً بصالح غلام النظام إلا أن الأشعري أورد قولاً في الرؤية : " الذي يرى الرائي في المرآة إنما هو إنسان مثله اخترعه الله " وأضاف : وهذا قول صالح . قلت : وهو يناسب ما يذكره ابن حزم من مخالفة صالح لمن عداه في مسألة الادراك . ( 2 ) بالطفر : هذه هي القراءة الصحيحة ( التي اقترحها برشيه ) وفي سائر القراءات : بالنظر ، وإنما حكمت بصحتها اعتماداً على رأي ابن حزم في الطفرة وعلاقة حاسة البصر بها . فالطفرة في رأي النظام هي أن المار على سطح جسم من مكان إلى مكان بينهما أماكن لم يقطعها هذا المار ولا مر عليها ؛ وخطأ ابن حزم هذا الرأي ثم قال : " هذا ليس موجوداً البتة إلا في حاسة البصر فقط وكذلك إذا أطبقت بصرك ثم فتحته لاقى نظرك خضرة السماء والكواكب الادراكين في المدة أصلاً " . ثم قارن بين حاسة السمع وحاسة البصر ( كما فعل هنا ) وقال : ان الصوت يقطع الأماكن وينتقل فيها وان البصر لا يقطعها ولا ينتقل فيها ( أي ان ادراكه المرئيات طفرة ) انظر الفصل 5 : 64 - 65 .