ابن حزم

121

رسائل ابن حزم الأندلسي

بقرطبة ( 1 ) ، وهذا الموضع كان مجتمع النساء ، فرأى جارية أخذت بمجامع قلبه وتخلل حبها جميع أعضائه ، فانصرف عن طريق الجامع وجعل يتبعها وهي ناهضة نحو القنطرة ( 2 ) ، فجازتها إلى الموضع المعروف بالربض . فلما صارت بين رياض بني مروان - رحمهم الله - المبنية على قبورهم في مقبرة الربض خلف النهر نظرت منه منفرداً عن الناس لا همة له غيرها ، فانصرفت إليه فقالت له : مالك تمشي ورائي فأخبرها بعظيم بليته بها . فقالت له : دع عنك هذا ولا تطلب فضيحتي فلا مطمع لك في البتة ولا إلى ما ترغبه سبيل ، فقال : إني أقنع بالنظر ، فقالت : ذلك مباح لك ، فقال لها : يا سيدتي ، أحرة أم مملوكة قالت : مملوكة ، فقال لها : ما اسمك . قالت : خلوة ، قال : ولمن أنت فقالت له : علمك والله بما في السماء السابعة أقرب إليك مما سألت عنه ، فدع المحال ، فقال لها : يا سيدتي ، وأين أراك بعد هذا قالت : حيث رأيتني اليوم في مثل تلك الساعة من كل جمعة . . فقالت له : إما تنهض أنت أو انهض أنا ( 3 ) ، فقال لها : انهضي في

--> ( 1 ) ذكر ابن بشكوال أن أبواب قرطبة سبعة باب القنطرة إلى جهة القبلة ، وباب الحديد ويعرف بباب سرقسطة ، وباب ابن عبد الجبار وهو باب طليطلة ، وباب رومية ، وباب طلبيرة ، ثم باب عامر القرشي ثم باب الجوز ويعرف بباب طليوس ثم باب العطارين وهو باب إشبيلية ، ومن دونه تجارة العطور والدكاكين والعطارين ( انظر النفح 1 : 465 ) . ( 2 ) قنطرة قرطبة تقع شمالي باب قرطبة الجنوبي ( المسمى بها أي باب القنطرة ) ، وهو الباب الذي يصل بين المدينة وربض شقندة ، وقد بناها أغسطس قيصر ، وكانت تتثلم بسبب مد النهر فيتم اصلاحها وترميمها ، فقد رممها الحكم المستنصر سنة 360 ( أنظر عبد العزيز سالم قرطبة حضرة الخلافة الإسلامية 1 : 197 - 201 ومصادره هنالك ) . ( 3 ) فقالت له إما أن تنهض أنت أو أنهض أنا ؛ يبدو أن هنا سقطاً ؛ والرواية نفسها عن ابن حزم عند الحميدي : " فلما قرب وقت صلاة العصر ، انصرفت فجعلت أقفو أثرها ، فلما بلغت قنطرة قالت إما أن تتأخر واما أن تتقدم فلست والله أخطو خطوة وأنت معي ، فقلت لها : أهذا آخر العهد ، قالت : لا ، قلت لها : فمتى اللقاء قالت : كل يوم جمعة في هذا الوقت في هذا المكان ، قلت لها : فما ثمنك أن باعك من أنت له قال : ثلاثمائة دينار ، قال : فخرجت جمعة أخرى فوجدتها على العادة الأولى فزاد كلفي بها " ثم يقص كيف ارتحل إلى سرقسطة ومدح عبد الرحمن بن محمد الدجيبي صاحبها ، وذكر له قصته مع خلوة وأخذ منه ثلاثمائة دينار سوى نفقة الطريق ، قال : " وعدت إلى قرطبة فلزمت الرياض جمعاً لا أرى لها أثراً وقد انطبقت سما ئي على أرضي ، وضاق صدري إلى أن دعاني يوماً رجل من اخواني فدخلت إلى داره وأجلسني في صدر مجلسه ثم قام لبعض شئنه ، فلم أشعر إلا بالستارة المقابلة لي قد رفعت وإذا بها ، فقلت : خلوة ، فقال : نعم ، قلت : ألأبي فلان أنت مملوكة قالت : لا والله ولكني أخته ، قال : فكان الله تعالى محا محبتها من قلبي ، وقمت من فوري ، واعتذرت إلى صاحب المنزل بعارض طرقني وانصرف ( الجذوة : 347 - 348 ) .