ابن حزم
117
رسائل ابن حزم الأندلسي
- 4 - باب من أحب بالوصف من غريب أصول العشق أن تقع المحبة بالوصف دون المعاينة ، وهذا أمر يترقى منه إلى جميع الحب ، فتكون المراسلة والمكاتبة والهم والوجد والسهر على غير الإبصار ، فغن للحكايات ونعت المحاسن ورصف الأخبار تأثيراً في النفس ظاهراً ؛ وأن تسمع نغمتها من وراء جدار ، فيكون سبباً للحب واشتغال البال . وهذا كله قد وقع لغير ما واحد ، ولكنه عندي بنيان هار على غير أس ، وذلك أن الذي أفرغ ذهنه في هوى من لم ير لابد له إذ يخلو بفكره أن يمثل لنفسه صورة يتوهمها وعيناً يقيمها نصب ضميره ، لا يتمثل في هاجسه غيرها ، قد مال بوهمه نحوها ، فإن وقعت المعاينة يوماً ما فحينئذ يتأكد الأمر أو يبطل بالكلية ، وكلا الوجهين قد عرض وعرف ، وأكثر ما يقع هذا في ربات الخدور ( 1 ) المحجوبات من أهل البيوتات مع أقاربهن من الرجال ، وحب النساء في هذا أثبت من حب الرجال لضعفهن وسرعة إجابة طبائعهن إلى هذا الشأن ، وتمكنه منهن ؛ وفي ذلك أقول شعراً ( 2 ) منه : [ من الهزج ] .
--> ( 1 ) في بعض الطبعات : القصور . ( 2 ) انظر ديوان الصبابة : 51 حيث أورد هذه الأبيات ونسبها للمدني ( ) .