ابن حزم

89

رسائل ابن حزم الأندلسي

رقّ ينسخ فيه « 1 » وتطول مدة بقائه ، وبعضه نطائق « 2 » تقطع وتعفن ، ولم يتقدم في الوجود والنشأة بعض ذلك الأديم بعضا . وأيضا فإنهم خابوا من علم الشريعة الذي هو الحقيقة . وطائفة حصلت على علم حدود المنطق ، فنقول لهم : إنكم لم تحصلوا إلا على العلوم التي لا منفعة لها ولا فائدة ، إلا تصريفها في سائر العلوم فأنتم « 3 » كمن جمع آلة البناء ولم يصرفها في البنيان فهي معطلة لديه لا معنى لها ، فإن قالوا إن لهذه العلوم معايش ومكاسب ، قلنا هي أضعف المكاسب وأقل المعايش سعة . فإذ ليس غرضكم إلا هذا ، فالتجارة والزراعة وصحبة السلطان أجدى بالمكسب وأوسع بالوفر « 4 » حظا مما أنتم عليه . ولم نورد شيئا من هذا تنقيصا لشيء من هذه العلوم - ومعاذ اللّه من هذا - ولو فعلنا ذلك لدخلنا في جملة من نذم ، ولركبنا الملة « 5 » الخسيسة ، لكن تنقصا لمن قصد بعلمه ذمّ سائر العلوم وتنقصها . وأما من طلب علما ما ، لم يفتح اللّه تعالى له في غيره ، وهو مع ذلك معترف بفضل سائر العلوم ونقص حاله إذ أقصر عنها ، فهو محسن محمود فاضل قد تعوض الإنصاف والعدل والصدق مما فاته منها فنعم العوض ما حصل عليه ، ولا ملامة عليه فيما لم يفتح اللّه تعالى له فيه ، وأما من أخذ من كل علم ما هو محتاج إليه واستعمل ما علم كما يجب فلا أحد أفضل منه ، لأنه قد حصل على عز النفس وغناها في العاجل وعلى الفوز في الآجل ، ونجا مما حصل فيه أهل الجهل ، ومن لم يستعمل ما علم من أضداد هذه الأحوال . وجملة الأمر أنه لولا طلب النجاة في الآخرة لما كان لطلب شيء من العلوم معنى لأنه تعب ، وقاطع عن لذات الدنيا المتعجلة من المشارب والمآكل والملاهي والسفاه والاعتلاء واتباع الهوى ؛ فلو لم يكن آخرة يؤدي إليها طلب العلوم . لما كان

--> ( 1 ) ص : ورق ينسج فيه . ( 2 ) ص : بطائق . ( 3 ) ص : فأنت . ( 4 ) ص : بالدفر . ( 5 ) ص : المدة .