ابن حزم

85

رسائل ابن حزم الأندلسي

سخيف « 1 » العقل مذموما مهلكا لنفسه ، بل أسوأ حالة من المجانين والحيوان الدارج « 2 » غير الناطق . ولا مخلص في المعاد إلا بالبحث عن شريعة الحق و [ إيثار ] « 3 » تعلّمها على كل علم . و [ إحراز ] نجاته في دنياه [ الآجلة ] . فالواجب عليه إجهاد نفسه وترك كل حال شاغلة له عن البحث عن صحّة الأمر ، عن أن المعاد حق أو شيء غيره حق . وإذا اشتغل بذلك عن شيء غيره فهو بلا شك فاسد التمييز ، خاسر الصفقة مغرر بنفسه عن الأمر الذي فيه عظيم البلاء عليه أو كثير السعادة له ، ولا يصل إلى علم ذلك إلّا بالبحث عن الشرائع وطلب البرهان فيها حتى يقع على حقيقة الأمر في ذلك . وإن كان غير معتقد لصحة المعاد ، ولم يكن عنده شيء غير هذه الدار ، فلا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما : إما أن لا يكون يرى إمراج النفس « 4 » في الشهوات ، وإهمالها في اللذات وإطلاقها على اتباع الهوى - فإن كان هذا هكذا فليس أولى بذلك فيه « 5 » من غيره ؛ وهذا رأي يقتضي له أن لا يتظلم ممن تلف بقتله وأخذ ماله أو هتك ستره وتسخيره « 6 » فيما يلذ به غيره وإشقائه فيما ينعم به سواه ، ولا أخسر صفقة ممن يرى أن لا دار له سوى هذه ثم لا يكون حظه منها إلا الشقاء والتعب والهلكة - أو يكون ممن يقول بالسياسة التي جماعها الأمن له من غيره ، ولغيره منه ، على دمه « 7 » وحرمته وبشرته وماله وشمول العافية « 8 » وصلاح الحال والكفاية . وهذا لا يصح البتّة ولا يوجد إلا باستعمال الشريعة الداعية بالوعيد بالآخرة والعقاب في الدنيا لأجل معصيته ، فإذ لا سبيل إلى ذلك إلا بالشريعة فالاشتغال بها هو الغرض ، والاشتغال عنها رأي فاسد .

--> ( 1 ) ص : بتخفيف . ( 2 ) ص : الدراج . ( 3 ) ما بين معقفين في هذه العبارة التي كتبت بهامش النسخة ، مطموس . ( 4 ) ص : إمراح ، وإمراج النفس إطلاقها على سجيتها ، وتركها ترعى حيث شاءت . ( 5 ) ص : في غيره . ( 6 ) ص : وتسخير . ( 7 ) ص : ذمته . ( 8 ) ص : العاقبة .