ابن حزم
77
رسائل ابن حزم الأندلسي
وأما صحبتهم بالنجوم فلا يدخل في ذلك ذو مسكة عقل البتة ، لأنه يتعاطى ما ليس في قوته الوفاء به ، فهو دهره في كذب متصل ومواعيد مختلفة وخدائع متصلة ، وفضائح متواترة ، وخزايا متتابعة . وكدّ من اتصل بسلطان إصلاح أخلاقهم وحملهم على البر وصرفهم عن المأثم جهده وطاقته . ودعائم العلم مشهورة مستحكمة يؤثر بها العلم على سائر أعراض الدنيا من اللذات والمال والصوت « 1 » ، ثم قصد إلى عين العلم ، ليخرج به عن جملة أشباه البهائم فقط ، لا ليجعله مكتسبه ولا ليمدح به ، وذكاء وفهم وبحث وذكر وصبر على كل ذلك ، والتعب فيه وإنفاق المال عليه والاستكثار من الكتب ، فلن يخلو كتاب من فائدة وزيادة علم يجدها فيه إذا احتاج إليها ، ولا سبيل إلى حفظ المرء لجميع علمه الذي يختص به . فإذ لا سبيل إلى ذلك فالكتب نعم الخازنة له إذا طلب ، ولولا الكتب لضاعت العلوم ولم توجد . وهذا خطأ ممن ذم الإكثار منها ، ولو أخذ برأيه لتلفت العلوم ولجاذبهم الجهال فيها وادّعوا ما شاءوا . فلو لا شهادة الكتب لاستوت دعوى العالم والجاهل . وسقوط الأنفة في التكرر على العلماء ، وتقييد ما [ يسمع ] وجمعه ، وملازمة المحبرة والكتب يده وكمّه ، وسكنى حاضرة فيها العلم ، ولقاء المتنازعين وحضور المتناظرين ، فبهذا تلوح الحقائق ، فليس من تكلم عن نفسه وما يعتقد كمن تكلم عن غيره ، ليست الثكلى كالنائحة المستأجرة ، ومن لم يسمع إلا من عالم واحد أوشك أن لا يحصل على طائل ، وكان كمن يشرب من بئر واحدة ولعله اختار الملح المكدر ، وقد ترك العذب . ومع اعتراك الأقران ومعارضتهم يلوح الباطل من الحقّ ، ولا بد ، فمن طلبه كما ذكرنا أوشك أن ينجح مطلبه وأن لا يخفق سعيه ، وأن يحصل في المدة اليسيرة على الفائدة العظيمة . ومن تعدّى هذه الطريق كثر تعبه ، وقلت منفعته . ومن اقتصر على علم واحد لم يطالع غيره ، أوشك أن يكون ضحكة وكان ما خفي عليه من علمه الذي اقتصر عليه ، أكثر مما أدرك منه لتعلق العلوم بعضها ببعض ، كما ذكرنا ، وأنها درج بعضها إلى بعض ، كما وصفنا ، ومن طلب الاحتواء على كل علم أوشك أن ينقطع وينحسر ، ولا يحصل على شيء ،
--> ( 1 ) الصوت والصات والصيت : الذكر الحسن .