ابن حزم
75
رسائل ابن حزم الأندلسي
مبطل بما يوجب حدوث العالم على ما بيّناه في كتابنا الموسوم بالفصل بالملل والنحل « 1 » - وأما شريعة النصارى فإنهم مقرّون أن شرائعهم ليست عن وحي اللّه تعالى ، وإنما هنّ وضع زكريا الملك وسائر بطارقته ، وهذا شيء تشهد العقول بأنه لا يلزم إذ لم يوجب إلزامه برهان - وأما ملة المجوس فهم معترفون بأن ثلثي كتابهم ذهب ، وأن في ذلك الذاهب كانت الشرائع ، ومن الباطل الممتنع أن يكلّف اللّه تعالى الناس أن يعملوا بشيء لا يدرونه ، وقد ذهب عن أيديهم ، ويقرون أن أزدشير بن بابك وضع لهم شرائع غير التي كانت لازمة لهم ، فهذا لا يعتقده إلا جاهل ، ولا يدين به إلا مخذول - وأما ملة اليهود فمعترفون أن أكثر شرائعهم اللازمة لا سبيل لهم إليها إذ خرجوا عن صهيون ، وأن شرائع الربانيين منهم « 2 » التي هم الآن عليها ، هي غير شرائعهم التي أمروا بها في التوراة ، وأنّ علماءهم عوّضوهم عن تلك هذه ، ويلزمهم الإقرار بمن صحّ عنه من الأعلام مثلما صحّ عن نبيهم عليه السلام . فإن اشتغل مغفل عن علم الشريعة بعلم غيره ، فقد أساء النظر وظلم نفسه ، إذ آثر الأدنى والأقلّ منفعة على الأعلى والأعظم منفعة ؛ فإن قال قائل : إن في علم العدد والهيئة والمنطق « 3 » معرفة الأشياء على ما هي عليه ، قلنا إن هذا حسن إذا قصد به الاستدلال على الصانع للأشياء بصنعته ، ليتدرج بذلك إلى الفوز والنجاة والخلاص من العذاب والنكد ؛ وأما إن لم يكن الغرض إلّا معرفة الأشياء الحاضرة على ما هي عليه فقط ، فطالب هذه العلوم ، ومن جعل وكده معرفة صفة البلاد على ما هي عليه ، وصفات سكان أهل كل بلدة وما هي عليه صورهم سواء ، ومن كان هذا هو غرضه فقط ، فهو إلى أن يوصف بالفضول والحماقة أقرب منه إلى أن يوصف بالعلم ، إذ حقيقة العلم هو ما قلنا إنه يطلبه لينتفع به طالبه ، وينتفع به غيره في داره العاجلة وداره
--> ( 1 ) كذا ورد اسم الكتاب هنا وهو معروف باسم الفصل في الملل والأهواء والنحل وانظر في هذا الكتاب 1 : 14 وما بعدها أدلته على حدوث العالم ؛ وقد تصدى ابن حزم لمحاكمة النحل أيضا في رسالة « التوقيف على شارع النجاة » ، في الجزء الثالث من الرسائل . ( 2 ) قال ابن حزم في ذكر فرق اليهود ( الفصل 1 : 99 ) : الربانية هم الأشعنية ، وهم القائلون بأقوال الأحبار ومذاهبهم ، وهم جمهور اليهود . ( 3 ) ص : المنطق .