ابن حزم
70
رسائل ابن حزم الأندلسي
فأهل « 1 » أن لا يشتغل به . ونقول قولا صحيحا متيقّنا ليعلم كل ذي عقل ينصح نفسه بأنه لا سبيل إلى قلب الأنواع وإحالة الطبائع ، فمن اشتغل بشيء من هذين العلمين ، فإنما هو إنسان محروم مخذول يطلب ما لا يجد أبدا ، وبالجملة فليس القضاء بالنجوم علم برهان ، وإنما هي تراعى « 2 » أبدا ، وبالجملة تجارب ، وإذ هي كذلك ، فباطل بلا شك ، لأن التجارب لا تكون إلا بتكرير الحال مرارا كثيرة جدا على صفة واحدة لا تستحيل أبدا « 3 » والنصبة التامة من الكواكب لا تعود إلا إلى عشرة آلاف من السنين ، ولا سبيل إلى ضبط تجربة مثل هذه إلا بتداول قوم متعاقبين لرصد تلك النّصب « 4 » ؛ وباليقين ندري أنه لا يبقى فيما انحدر عن شرق العمود مملكة عشر الدّور ، فكيف الدور كله ؟ وإذا ذهبت المملكة لم تذهب إلا بحروب وغارات وسوء حال وفساد بلاد وحدوث أخر ، وهذا كله يذهب علوم تلك المملكة ورتبها وأرصادها وأكثر أخبارها بل كلها ، فلا سبيل مع ذلك إلى اتصال رصد هذه المدة كلها ، فكيف أن يمكن دوام التجربة تكرارا دورا بعد دور ؟ وما عندنا تاريخ أبعد من تاريخ التوراة وليس له إلا ثلاثة آلاف سنة فقط ، فأين يقع مما نريد « 5 » ؟ وأما تاريخ الفرس [ فما ] عندنا أخبار لهم فاشية محققة إلا من عهد ملوك الساسانية وذلك أقلّ من ألف عام ، وكذلك تاريخ الروم . وأما تاريخ القبط والسريانيين وأدوم وعمون وموآب وسائر تلك الأمم ، فما لهم اليوم في الدنيا خبر ولا أثر ، فكيف تبقى أرصاد المدة المذكورة ؟ وأما الهند والصين فلم تبلغنا آثارهم كما نريد ، ولعل لهم أرصادا قديمة ، فإنهما
--> ( 1 ) ص : أهل . ( 2 ) ص : تداعى . ( 3 ) تكلم ابن خلدون في إبطال صناعة النجوم ناقضا إمكان كمال التجربة فقال : فالمتقدمون منهم يرون أن معرفة قوى الكواكب وتأثيراتها بالتجربة وهو أمر تقصر الأعمار كلها لو اجتمعت عن تحصيله ، إذ التجربة إنما تحصل في المرات المتعددة بالتكرار ليحصل عنها العلم أو الظن ( مقدمة : 477 ) . ( 4 ) كرر ابن حزم نقض القضاء بالنجوم في كتابه الفصل ( 5 : 38 ) مستدلا بفكرة استحالة التجربة فقال : « إن التجربة لا تصح إلا بتكرر كثير موثوق بدوامه تضطر النفوس إلى الإقرار به كاضطرارنا إلى الإقرار بأن الإنسان إن بقي ثلاث ساعات تحت الماء مات ، وإن أدخل يده في النار احترق ولا يمكن هذا في القضاء بالنجوم لأن النصب الدالة عندهم على الكائنات لا تعود إلا في عشرات آلاف من السنين ، لا سبيل إلى أن يصحّ منها تجربة » . ( 5 ) ص : فأين يقعان مما أريد .