ابن حزم
68
رسائل ابن حزم الأندلسي
المال في الوجوه الذميمة وإخلاق العرض وإذهاب المروءة وتضييع الواجبات . وإن سماع شعر رقيق لينقض بنية المرء الرائض لنفسه حتى يحتاج إلى إصلاحها ومعاناتها برهة ، لا سيما ما كان يعنى « 1 » بالمذكر وصفة الخمر والخلاعة ، فإن هذا النوع يسهّل الفسوق ويهوّن المعاصي ويردي جملة . والضرب الثاني : الأشعار المقولة في التصعلك وذكر الحروب كشعر عنترة وعروة بن الورد وسعد « 2 » بن ناشب وما هنالك ، فإن هذه أشعار تثير النفوس وتهيج الطبيعة وتسهّل على المرء موارد التلف في غير حق ، وربما أدّته إلى هلاك نفسه في غير حق ، وإلى خسارة الآخرة ، مع إثارة الفتن وتهوين الجنايات والأحوال الشنيعة والشره إلى الظلم وسفك الدماء . والضرب الثالث : أشعار التغرّب ، وصفات المفاوز والبيد المهامه ، فإنها تسهّل التحوّل والتغرب وتنشب المرء فيما ربما صعب عليه التخلص منه بلا معنى . والضرب الرابع : الهجاء ، فإن هذا الضرب أفسد الضروب لطالبه ، فإنه يهوّن على المرء الكون في حالة أهل السفه من كنّاسي الحشوش « 3 » والمعاناة لصنعة الزمير المتكسبين بالسفاهة والنذالة والخساسة وتمزيق الأعراض وذكر العورات وانتهاك حرم الآباء والأمهات ، وفي هذا حلول الدمار في الدنيا والآخرة . ثم صنفان من الشعر لا ينهى عنهما نهيا تاما ولا يحضّ عليهما بل هما عندنا من المباح المكروه وهما : المدح والرثاء : فأما إباحتهما فلأن فيهما ذكر فضائل الموت والممدوح ، وهذا يقتضي للراوي ذلك الشعر الرغبة في مثل ذلك الحال ، وأما كراهتنا لهما فإن أكثر ما في هذين النوعين الكذب ، ولا خير في الكذب . وأيضا فإن الإكثار من رواية الشعر ، هو كسب غير محمود ، لأنه [ من ] طريق
--> ( 1 ) ص : وينهى . ( 2 ) ص : سعيد ؛ أما سعد فهو أحد شعراء الحماسة ؛ كان من شياطين العرب وهو صاحب يوم الوقيط في الإسلام بين تميم وبكر ، وقد أصاب دما فهدم بلال داره . ( راجع الشعر والشعراء : 677 والخزانة 3 : 444 والسمط : 792 ) . ( 3 ) ص : كناني الحسوس .