ابن حزم

62

رسائل ابن حزم الأندلسي

لائحة ، وقد طمس معرفة علمها ، ومن ذلك علم الموسيقى وأصنافها الثلاثة ، فإن الأوائل يصفون أنه كان منها [ ما ] يشجع الجبناء وهو اللويّ ، ونوع ثان يسخّي البخلاء وأظنه الطنينيّ ، ونوع ثالث يؤلف بين النفوس وينفر « 1 » . وهذه صفات معدومة من العالم اليوم جملة . فاعلموا أسعدكم اللّه بتوفيقه أن من رأيتموه يدّعي علم الموسيقى واللحون ، وعلم الطلسمات ، فإنه ممخرق كذاب ومشعوذ وقاح ، وكذلك من وجدتموه يتعاطى علم الكيمياء فإنه قد أضاف إلى هذه الصفات الذميمة التي ذكرنا استئكال « 2 » أموال الناس ، واستحلال التدليس في النقود وظلم من يعامل في ذلك ، والتغرير بروحه وبشرته في جنب ما يعاني من هذه الرذيلة . فإن العلمين المذكورين أولا ، وإن كانا قد عدما وانقطعا البتة ، فقد كانا موجودين دهورا . وأما هذا العلم الذي يدّعونه من قلب جوهر الفلزّ « 3 » ، فلم يزل عدما غير موجود . وباطلا لم يتحقق ساعة من الدهر ؛ إذ من المحال الممتنع قلب نوع إلى نوع ، ولا فرق بين أن يقلب نحاس إلى أن يصير ذهبا أو قلب ذهب إلى أن يصير نحاسا ، وبين قلب إنسان إلى أن يصير حمارا ، أو قلب حمار إلى أن يصير إنسانا . وهكذا سائر الأنواع كلها ، وهذا ممتنع البتة ، وبالله تعالى التوفيق ، ومنه أستمد « 4 » لا إله إلا هو ، فلا وجه للاشتغال بعلم قد دثر وعدم ، وإنما الواجب أن يتهمم المرء بالعلوم الممكن تعلمها التي قد ينتفع بها في الوقت ، وأن يؤثر منها بالتقديم ما لا يتوصل إلى سائره إلا به ثم الأهم فالأهم والأنفع فالأنفع ، فإن من رام الارتقاء إلى أرفع العلوم دون معاناة ما « 5 » لا يوصل إليه إلا به ، كمن رام الصعود إلى علّية مفتحة مظلمة أنيقة البناء دون أن يتكلف التنقل إليها في الدرج « 6 » والمراقي التي لا سبيل إلى تلك العلّية إلا بها .

--> ( 1 ) الأجناس في الموسيقى ثلاثة أحدها الطنيني والثاني اللوي والثالث التأليفي وتسمى كذلك بنسبة تقسيم الأبعاد فالأول أفحلها وهو يحرك النفس إلى النجدة وشدة الانبساط ويسمى الرجلي ، والثاني يحرك النفس للكرم والحديث والجراءة ويسمى الخنثوي ، والثالث يولد الشجا والحزن ويسمى النسوي ( مفاتيح العلوم : 140 ) . ( 2 ) ص : في استثكال . ( 3 ) ص : الفكر . ( 4 ) ص : استمده . ( 5 ) ص : من . ( 6 ) ص : الدرع .