ابن حزم
386
رسائل ابن حزم الأندلسي
ذهبوا ، فإن كان قد بقي منهم في الدنيا واحد أو اثنان فعلمه مخزون في صدورهم مقصور على أنفسهم أو على خاصة يسلك بهم مثل سبيله في طيه عن أهل زمانه ، إذ لا يرى مستحقا ولا أمينا ولا لقنا ولا صديقا ولا مريدا صادقا ، فإنا للّه وإنا إليه راجعون . 59 - قال الموحّد : من المسائل التي هي محالية السؤال ، فلا أجوبة لها بالمقابلة « 1 » لأنك إن قابلت المحال كنت محيلا : لو سأل سائل عن اللّه عز وجل بإيقاع صفة التمام والكمال مثل ما هو تام كامل ، قيل له : أتسأل بصفة المخلوق عن الخالق ، تعالى اللّه عن هذه الصفة كما تعالى عن ضدها ، هو فوق ما يأخذه التمام والنقص ، عال علوا كبيرا ، وهذا المحال من السؤال موجود مثاله في المخلوقات وجودا قريبا ظاهرا ، لو قال قائل : الأمير حاجب أو وزير ؟ قيل له : منزلته فوق منزلة الحاجب والوزير . فلو قال القائل : اللؤلؤ أخضر هو أو أحمر ؟ قيل له : لا ذا ولا ذا . ومثل هذا يرد كثيرا في مواضع مشبهة لا يظهر محالها إلا بالكشف . وكذلك لو سأل سائل ، وهي أغمض من التي قبلها : هل يحيط علم اللّه بذاته أم لا يحيط ؟ قيل له : لا تسل عما لا يتناهى بصفة الإحاطة فليس لك جواب ، أرأيت لو قلت : أيحيط المحيط بما لا يحاط به ؟ ألم يكن محالا كما لو قلت : هل لما لا حدّ له حدّ ، وهل لما لا نهاية له نهاية ، وهل يخلو الذهب أن يكون أسود أو أخضر ؟ قلنا : لا يقع عليه واحدة من هاتين الحالتين ، فكذلك بمن سأل عن متقابلين في المخلوقات ليس واحد منهما فيه ، نفيا جميعا . ومن سأل عن الخالق تعالى عزّ وجلّ بما يقع على المخلوقات من الصفة ، ومن جهة الضدّ والندّ ، ومن جهة الكمّ والكيف ، كل هذا لا يجاب فيه حتى يسأل غير سؤال المخلوق ، كما لا يشبه خلقه في صفة من صفاته ، كذلك لا يمكن أن يسأل عنه بصفة من صفات خلقه ، فافهم ولا يستخفنك الذين لا يوقنون وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( سورة البقرة : 42 ) ، الذين قالوا بالكمون جهلوا المكان والمتمكن ، فحسبوا أن المتمكن يكون في المتمكن ولا يكون المتمكن إلا في مكان ، والمكان لا يأخذ منه الجسم إلا قدره وحده ، فلا يمكن أن يكون جسم آخر معه في مكان لا فضل فيه ، والمكان [ 102 و ] الهواء والأجسام المتمكنات فيه ، فبؤسا
--> ( 1 ) ص : بالمقالة .