ابن حزم

336

رسائل ابن حزم الأندلسي

بدّ من ذلك « 1 » . فما ردعه هذا الهزء عما هجس في نفسه وفارقته آبيا فما أدري أوفق بعدي لرفض هذا المرار « 2 » الهائج أم لا . فليس مثل هذا التكليف الفاسد وكون المرء لا تتشكل له الحقائق بقادح « 3 » في البرهان ولا بملتفت إليه . وكفانا من ذلك كله « 4 » وحسبنا قيام صحة ذلك في النفس بدلالة العقل على أنه حق فقط . ولو جاز لكل من لا يتشكل في نفسه شيء أن ينكره لجاز للأخشم أن ينكر الروائح ، وللذي ولد أعمى أن ينكر الألوان ، ولنا أن ننكر الفيل والزرافة ، وكل هذا باطل . وإنما يجب على العاقل أن يثبت ما أثبت البرهان ويبطل ما أبطل البرهان ، ويقف فيما لم يثبته ولا أبطله البرهان « 5 » حتى يلوح له الحق . وكذلك ليس علينا قسر الألسنة إلى الإقرار بالحق لكن علينا قسر النفوس إلى الإقرار به وقطع الألسنة عن المعارضة الصحيحة لعدم وجودها ، إذ لا يتعارض البرهان ، وإذا أقمناه فقد أمنّا أن يقيمه خصمنا ، وكذلك أيضا إن قصر مقصر عن إقامة البرهان على حق يعتقده فذلك لا يضر الحق شيئا . ولا يفرح بهذا من خصمه إلا الذي يفرح بالأماني وهو الأحمق المضروب به المثل . ولا تقنع بغفلة خصمك بل انظر « 6 » في كل ما يمكن أن يصحّ به قوله ، فإن وجدت حقا ببرهان فارجع إليه ولا تتردد ، ولا ترض لنفسك ببقاء ساعة آبيا من قبول الحق . وإن وجدت تمويها فبينه ولا تغترّ بذهاب خصمك عنه فلعل غيره من أهل مقالته يتفطن لما غاب عنه . هذا ولا تقنع إلا بحقيقة الظفر ولا تبال أن قيل عنك إنك مبطل ، فلك فيمن نسب إليه ذلك من المحققين أكرم أسوة من الأنبياء عليهم السلام فمن « 7 » دونهم . نعم حتى إن كثيرا منهم قتل دفعا [ 87 ظ ] لحقه ونسبة « 8 » للباطل إليه . ولا تستوحش مع الحق إلى أحد ، فمن كان معه الحق فالخالق تعالى معه « 9 » . ولا تبال بكثرة خصومك ولا بقدم أزمانهم ولا بتعظيم الناس إياهم ولا

--> ( 1 ) لا بد من ذلك : سقط من س . ( 2 ) س : المراء . ( 3 ) س : قادح ؛ م : بكادح . ( 4 ) كله : سقطت من س . ( 5 ) س : برهان . ( 6 ) بل انظر : سقط من س . ( 7 ) س : ومن . ( 8 ) س : ونسبا . ( 9 ) م : معه تعالى .