ابن حزم

329

رسائل ابن حزم الأندلسي

دليل لوضوحه واستواء السامعين في علمه . والفلج « 1 » في المناظرة هو ظهور البرهان الحقيقي فقط ، وليس انقطاع الخصم فلجا « 2 » ، فقد ينقطع جهلا أو خوفا أو لشغل بال طرقه ، وكل ذلك ليس قطعا للحق إن كان بيده . وليست شهادة الحاضرين بالغلبة لأحدهما شيئا إذ قد يكونون موافقين في رأيهم لرأي الذي شهدوا له فسبيلهم وسبيله واحدة « 3 » ، والإنصاف في الناس قليل . وقد يكونون غير محصلين لما « 4 » يقولون ولا فهماء ما « 5 » يسمعون وهذا كثير جدا . وأما من انقطع عن معارضة خصمه عجزا عن الجواب لا لخوف مانع فهو المغلوب لا قوله ، وإن كان ذلك عن حقيقة برهان فهو مغلوب وقوله معا ، ولا يضرّ ما صحّ بالبرهان عجز معتقده عن نصره ، ولا يقوى ما لم يصح ببرهان لتمويه من مموه « 6 » في نصره بالسفسطة . والبرهان لا يتعارض أبدا فما صحّ ببرهان فلا يبطله برهان آخر أبدا إلا أن يكون مما يستحيل ، كبرهان صحّ بحياة زيد أمس ثم صحّ آخر بموته اليوم . وهكذا كلّ ما يمكن تنقله ولا ينتقل شيء مما ذكرنا مما صحّ [ 85 و ] ببرهان إلا برهان آخر ، وإلا فحكم البرهان الأول باق . ولا ينتقل الشيء عن الإمكان إلى الوجوب إلا ببرهان ، ولا ينتقل بعد الوجوب إلى الإمكان إلا ببرهان ، والمعاندة والمكابرة عار وإثم وسخف . واعلم أن السائل إذا قال لخصمه : ما قولك في كذا ؟ فالجواب مفوّض إلى المسؤول يجيب بما شاء . وأما إذا قال له : أمر كذا أحق هو ؟ فلا بدّ من أن يجيب إما بنعم أو بلا - كما قدمنا - « 7 » ، كسائل سأل فقال : ما تقول في الأرض أكرية أم لا ، فلا بد له من نعم أو لا . أو لو قال له : ما تقول في لحوم الحمر الأهلية « 8 » أحلال أم لا ؟ فكذلك أيضا ، أو قال له هل الخلاء موجود أو لا ؟ فلا بد من نعم

--> ( 1 ) س : والفلح . ( 2 ) س : فلحا . ( 3 ) س : واحد . ( 4 ) س : ما . ( 5 ) س : بما . ( 6 ) م : بتمويه من موّه . ( 7 ) كما قدمنا : سقط من س . ( 8 ) لحوم الحمر الأهلية : الخمر في س .