ابن حزم

314

رسائل ابن حزم الأندلسي

ثقل القناطير المجتمعة . وهكذا الشم « 1 » فإن مقدار فلس من حلتيت يكون معك في البيت فلا تشمه أصلا [ 80 و ] حتى إذا كثرت أجزاء الحلتيت لم يلبث الشم أن يجده ويضجر منه ؛ والعقل موقن أن لذلك الفلس جزءا من النتن ، وهكذا « 2 » القول في المسك . والعقل أيضا يعلمك أن قوة الرائحة في القليل والكثير واحدة ، ولكن الكثير إذا اجتمع كثر افتراق ما ينحلّ « 3 » منه في الهواء فشغل مكانا واسعا . وكذلك السماء ، لا نراها متحركة والعقل يوقن أنها متحركة بما نرى من اختلاف حركتي الأجرام التي فيها من شرق إلى غرب بحركة السماء لها ، ومن غرب إلى شرق ، وبانتقالها في الدرج وحركتها بذاتها « 4 » . وكذلك العين لا تستبين حركة الشمس أصلا ، حتى إذا بقيت مدة لاحت لها حركتها يقينا بأن تراها في كبد السماء بعد أن تراها « 5 » في أفق المشرق . وكنماء الأجسام من الحيوان والنبات فإنك لا تستبين نموه على أنه بين يديك ونصب عينيك حتى إذا مضت مدة رأيت النماء بعينيك « 6 » ظاهرا وعلمت نسبة زيادته على ما كان ، والعقل يشهد أن لكل ساعة مرّت « 7 » حظا من نموّ ذلك الشجر « 8 » لم تتبينه « 9 » ببصرك . وهذا إذا تدبرته كثير جدا . وقد بيّنا في باب الكلام في الكيفية من هذا الديوان مشاركة العقل للحواسّ في جميع مدركاتها وانفراده دونها بأشياء كثيرة ؛ فلو لا العقل ما عرفنا الغائب « 10 » عن الحواس ولا عرفنا اللّه عزّ وجل . ومن كذب عقله فقد كذب شهادة « 11 » الذي لو لاه لم يعرف ربه ، وحصل في حال المجنون ، ولم يحصل على حقيقة . وبالفكر والذكر

--> ( 1 ) م : النسيم . ( 2 ) م : وكذلك . ( 3 ) س : إذا كثر افترق ما يتحلل ( دون إعجام يتحلل ) . ( 4 ) م : بذواتها . ( 5 ) م : رأتها . ( 6 ) م : بعينك . ( 7 ) مرت : سقطت من س . ( 8 ) م : الشيء . ( 9 ) م : تستبنه . ( 10 ) س : الغائبة . ( 11 ) م : شاهده .