ابن حزم
304
رسائل ابن حزم الأندلسي
خصومنا لأنه ضروري . فثبت أن المنفعة عظيمة صحيحة باختلاف المشاهدات في إبطال القطع بتساوي الغائبات عن الحواس معها ، وإننا لا ننتفع باستواء المشاهدات فيما لم توجبه طبيعة العقل لها في معرفة حكم الغائبات . ألا ترى أننا إذا لم نجد حمارا يجتر لا نقطع على أنه لا يوجد ، بل إن وجد لم ننكره ؛ ولقد أخبرني مخبر « 1 » أنه صح عنده وجود فرس يجتر ، ولم يوجد قط ذو قرن إلا وهو مشقوق الحافر حاشا الحمار الهنديّ « 2 » فهو ذو قرن وهو غير « 3 » مشقوق الحافر ؛ ومثل هذه الأمور التي لا توجبها الطبيعة فهي في حد الممكن إلا أنها على قدر قلة وجودها وكثرته تدخل في الممكن البعيد أو المتساوي أو « 4 » القريب . ونجد النار مضيئة حمراء حارة ، فمن قال إن « 5 » الضياء علة الإحراق أريناه أشياء مضيئة كالمرايا وغيرها وهي غير محرقة ، ومن قال الحمرة علة الإحراق أريناه الدم غير محرق ، ومن قال الحرارة علة الإحراق أريناه أشياء تحرّ الجسم ولا تحرق . فوجب ضرورة أن لا يكون شيء مما ذكرناه علة وهي صفات مطردة كما ترى ؛ لكن كل عنصر بسيط حار يابس صعاد مضيء مصعد للرطوبات قد « 6 » يسفل بالقهر ويستحيل هواء فهو محرق بلا شك ، لأن طبيعة العقل تقتضي ذلك . ومن سلك الطريق التي نهينا عنها لم يسلم من حيرة أو تناقض أو تحكم بلا دليل . ومما قاد إليه أيضا هذا الاستدلال الفاسد قوما أن قالوا : لما كنا أحياء ناطقين وكانت الكواكب أعلى منا وفي أصفى مكان ، وكان « 7 » تأثيرها ظاهرا فينا ، كانت أولى بالحياة والنطق منا ، فهي أحياء ناطقة عاقلة . فيلزمهم على هذا البرهان الفاسد أنهم لما وجدوا كل عاقل مميز ناطق حيّ فيما بيننا إنما هو لحم ودم
--> ( 1 ) مخبر : سقطت من س . ( 2 ) الهنديّ : الوحشي في س . ( 3 ) وهو : سقطت من س . ( 4 ) أو : سقطت من س . ( 5 ) إن : سقطت من م . ( 6 ) قد : سقطت من س . ( 7 ) س : كان .