ابن حزم
292
رسائل ابن حزم الأندلسي
لوجب عليه ما أوجب على من هو محدود بحده ومرسوم برسمه ، ولكنها وللّه الحمد قضية باطل فلا يجب ما أنتجت لا عليه ولا على غيره ، وقد ذكرنا هذا الباب في النوع الخامس من البرهان . واعلم أن من وافقنا في هذه الأوائل ثم كذب موجباتها أو خالفنا في هذه الأوائل فلم يثبتها تركناه وكنا إن كلمناه كمن كلم السكران ، إلا في حالين : أحدهما أن يضطرنا « 1 » إلى الكلام معه خوف أذى « 2 » ما إن تركنا الكلام معه . والثانية الرجاء في أوبته وأوبة غيره من حاضر أو غائب يبلغه كلامنا ، أو تثبت حاضر أو غائب يبلغه كلامنا ، فأي ذلك كان فواجب علينا الكلام حينئذ بما نرجو به « 3 » المنفعة إما لأنفسنا وإما لمن يلزمنا تبصيره من أهل نوعنا ، فقد قال الأول الواحد الخالق خالق الصدق والآمر به في عهوده إلينا : كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ( النساء : 135 ) وقال تعالى أيضا « 4 » : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ( النمل : 125 ) وقال لنا رسوله المتوسط بيننا وبينه تعالى ، صلّى اللّه عليه وسلم ، في وصاياه لنا « لأن يهدي اللّه بهداك رجلا واحدا أحبّ إليك من حمر النّعم » « 5 » . حتى إذا ارتفع خوفنا أو رجاؤنا لزمنا حينئذ أن نفعل ما أمرنا به الواحد الأول عزّ وجل في عهوده إلينا إذ يقول « 6 » عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ( المائدة : 105 ) فنقول لمن لزمنا أن نقول له من هذه الطائفة ، ولعمري إنهم لكثير كما وصف الواحد الأولى تعالى إذ يقول مخبرا لنا عمن تاه في الأباطيل : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ( الكهف : 104 ) وقال تعالى أيضا « 7 » أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ( الأعراف : 195 ) فنقول لمن هذه صفته : إن كنتم
--> ( 1 ) س : يضطر . ( 2 ) س : إذا . ( 3 ) س : له . ( 4 ) أيضا : سقطت من س . ( 5 ) الحديث في الجامع الصغير 2 : 122 وروايته : « خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت » . ( 6 ) إذ يقول : في م وحدها . ( 7 ) أيضا : سقطت من س .