ابن حزم
288
رسائل ابن حزم الأندلسي
والشرائع . فإما يدخل في ذلك وإما يتناقض تناقض المجنون « 1 » بلسانه ، نعوذ بالله من الخذلان . وبقدر قرب « 2 » هذه النتائج من هذه المعارف الأوائل يسهل بيانها ، وبقدر بعدها يتعذّر « 3 » بيانها ، إلا أن كل ما صحّ من هذه الطرائق « 4 » من قريب أو من بعيد فمستو في أنه حقّ استواء واحدا وإن كان بعضه أغمض من بعض « 5 » . ولا يجوز أن يكون حق أحق من حق آخر ، ولا باطل أبطل من باطل آخر ، إذ ما ثبت ووجد فقد ثبت ووجد ، وما بطل فقد بطل ، وما خرج عن يقين الوجود والثبوت ولم يدخل [ 71 و ] في يقين البطلان فهو مشكوك فيه عند الشاكّ ، وهو في ذاته بعد إما حق وإما باطل لا يجوز غير ذلك ، ولا يبطله إن كان حقا جهل من جهله أو تشكك من تشكك فيه ، كما لا يحق الباطل غلط من توهمه حقا أو تشكك من تشكك فيه ، فهذا جملة الكلام في القسم الأول . وأما الثاني فهو الذي ذكرت لك آنفا أنه يعرف بالمقدمات المنتجة على الصفات التي حدّدنا من أنها راجعة إلى العقل والحس إما من قرب وإما من بعد ، وفي هذا القسم تدخل صحة العلم بالتوحيد والربوبية والأزلية والاختراع والنبوة وما أتت به من الشرائع والأحكام والعبادات ، على ما قدمنا في سائر كتبنا ، لأنه إذا صحّ التوحيد وصحت النبوة وصحّ وجوب الائتمار لها وصحت الأوامر والنواهي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم وجب اعتقاد صحتها والائتمار لها . وفي هذا القسم أيضا تدخل صحة الكلام « 6 » في الطبيعيات وفي قوانين الطب ووجوه المعاناة والقوى والمزاج وأكثر مراتب العدد والهندسة . واعلم أنه لا يعلم شيء أصلا بوجه من الوجوه من غير هذين الطريقين ، فمن لم يصل منهما فهو مقلد مدّع علما « 7 » وليس عالما ، وإن وافق اعتقاده الحق ، لكنه
--> ( 1 ) م : المخبول . ( 2 ) قرب : سقطت من س . ( 3 ) س : يبعد . ( 4 ) من هذه الطرائق : بهذه الطريق في م . ( 5 ) من بعض : سقطت من س . ( 6 ) س : يدخل الكلام . ( 7 ) م : مدعي علم .